المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر الإيمان في حياة الفرد المسلم والمجتمع


المربي
14-11- 2009, 06:50 AM
أثر الإيمان في حياة الفرد المسلم والمجتمع

يلهث الناس بحثا عن السعادة، ويريدون أن يعيشوا حياتهم بسكينة النفس، وطمأنينة القلب، وأن ةيتمتعوا بالأمن الداخلي يغمر جوانحهم… فما هو الطريق إلى السعادة الحقيقية ؟.
أ- محتوى الإيمان:
وهو ما قاله عليه الصلاة والسلام في بيانه: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " فالإيمان بالله يجعل المؤمن يشعر بأن الله يراقبه في أفعاله، والإيمان بالملائكة يجعل المؤمن يستحسي من معصية خالقه سبحانه لعلمه أن الملائكة معه تحصي عليه أعماله، والإيمان بالكتب يجعل المؤمن يعتز بكلام ربه جلا وعلا ويقترب إليه بتلاوته والعمل بتعاليمه وأحكامه، والإيمان بالرسل يجعل المؤمن يأنس بأخبارهم وسيرهم لاسيما سيرة المصطفى فيتخذهم أسوة وقدوة، والإيمان باليوم الآخر ينمي في نفس المؤمن حب الخير والعطاء ليقى ثوابه في الجنة، والإيمان بالقدر يجعل نفس المؤمن ترض وتصبر.

ب- أثر الإيمان في حياة الفرد:
إذا استقر الإيمان في القلب وخالط بشاشة أحد أثمر صفات حميدة جليلة قل أن تجدها في غيره، ومن هذه الآثار:

أولا- الإيمان وكرامة الإنسان: يقول عز وجل:" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" ] الإسراء:70 [ فالإنسان مخلوق كريم عند الله، سخر له ما في السماوات والأرض.. لذلك يعتز المؤمن بانتسابه إلى الله تعالى، وارتباطه بكل ما في الوجود.

ثانيا- الإيمان والسعادة: إن فقدان السعادة من قلب المرء، يعني حلول القلق والإضراب النفسي في شخصه، فيجتمع عليه: الهم والحزن والأرق والسهر والغم وأنواع الشقاء المخزية التي تهد البدن وتضعفه، فالإنسان بغير إيمان ريشة في مهب الرياح تعصف بها الزوابع والعواصف، ليس لها استقرار ولا راحة .. فالإنسان بغير إيمان مخلوق ضعيف حزين كئيب تائه حيران، إذا أصابه شر جزع وفزع، قال تعالى: " إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين" ] المعارج:19-22 [ فالسعادة إذن ليست وفرة المال أو سطوة الجاه أو كثرة الولد أو قوة الجسد، وإنما هي شيء يشعر به المؤمن بين جوانحه، صفاء نفس وطمأنينة قلب وانشراح صدر، وراحة ضمير.

ثالثا- الإيمان وحب الله: المؤمن بالله ربا أدرك سر الوجود، فأحب الله، لأنه رأى في نفسه أثر نعمه وفضله ورأى في كونه أثر إبداعه وإتقانه، فأحبه حبا يفوق حب الانسان لأبويه وأولاده، بل وحتى نفسه، وأحب كل ما يجيء من قبله وكل ما يحبه سبحانه، أحب القرآن الذي أنزله ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأحب الرسول الذي أرسله رحمة للعالمين، وأحب كل إنسان من أهل الخير والصلاح الذين يحبهم ويحبونه وجعل دعاه: " اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد ".

رابعا- الإيمان والأمن النفسي: الإيمان هو التصديق المؤدي إلى الطمأنينة، ولأن العبد إذا آمن صار في أمان الله، قال تعالى أيضا: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما " ] الفتح:4 [.

خامسا- الإيمان والثبات في الشدائد: بين جل وعلا أن الإيمان هو الذي يجعل الإنسان ثابثا بثبوت الجبال الراسيات في وجوه الشدائد والمشكلات المفزعات .. لأن المؤمن لما تحل به نكبات أو أزمات يتوجه بقلبه وكيانه إلى خالق الأرض والسماوات مناجيه بأجمل العبارات وأندى النضات ناشدا بلسانه وفؤاده: " لا حول ولا قوة إلا بالله " ومرددا: " إنا لله وإنا إليه راجعون " ومفردا: " حسبنا الله ونعم الوكيل " فإذا بقلبه عامر بالطمأنينة والسكينة، لذلك فالمؤمنون هم أصبر الناس على البلاء، وأثيتهم في الشدائد، لأنهم عرفوا من لطف ربهم أن هذه الشدائد عبر ودروس قيمة لهم، وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم.

أما الذين خلت قلوبهم من نور الإيمان فهم أشد الناس جزعا، وأسرعهم انهيارا أمام شدائد الحياة البسيطة، وقد وصف القرآن هذا النموذج من الناس فقال: " ومن الناس يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " ] الحج:11 [ لذلك فلا عجب أن نجد الانتحار أكثر ما يكون في البيئات التي ضعف التدين في أبنائها أو فقدوه.

ج- أثر الإيمان في حياة المجتمع:
مجتمع بلا إيمان مجتمع غابة مملؤة بالحيونات المفترسة والطيور الجارحة، لأن الحياة فيها للأقوى لا للأفضل والأعلم، وهو مجتمع ساقط تافه .. هابط غايات أهله لا تتجاوز شهواتهم، قال تعالى: " يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم " ] محمد:12 [ ومن هنا جاءت الحاجة الملحة للحديث عن نور الإيمان وآثاره في المجتمع، والتي منها:

أولا- الإيمان والأخلاق: الدين والأخلاق صديقان حميمان وعنصران متلازمان، لذلك حدد الرسول الغاية من رسالته بقوله: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " فالأخلاق مرتبطة بالإيمان، وفسادها دليل على فقد الإيمان، كما في تصريحه : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه "

والبوائق هي الشرور مهما كانت، وغالبا ما تكون أخلاقية، كما أن أدنى شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، وعليه فإن فلاح المؤمن مرتبط بدمج الجانب التعبدي مع الجانب الأخلاقي في الإسلام.

ثانيا- الإيمان والإنتاج: المؤمن يندفع إلى العمل بإرادة وإيحاء ينبعث من داخله لا سوطا يسوقه من الخارج، لذلك الباعث الذاتي هو الإيمان بالله ربا وبالآخرة موعدا، وبأن مهمته هي عمارة الأرض، فالمؤمن يوقن أن السعادة في الآخرة والنجاح في الدنيا موقوف على عمله وإنتاجه، لأن الجنة ليست جزاء لأهل الفراغ والكسالى والبطالين، بل لأهل الجد والعمل والإتقان: " وتلك الجنة التي أورثموها بما كنتم تعملون " ] الزخرف:72 [ وقال تعالى: " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " ] السجدة:17 [.

ثالثا- الإيمان والإصلاح: إننا في عصر اضطربت فيه الآراء واختلطت فيه الأهواء وكثرت فيه إذاعات وقنوات الإفتاء، ولا شك أن الذي يبعث على الإصلاح هو طريق الإيمان بالله عز وجل، فنحن نوقن أنه لا صلاح ولا إصلاح لأحوال الخلق، إلا من منطلق الإيمان بخالق الخلق والعالم بما يصلح شؤونهم وحياتهم قال تعالى: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ] الملك:14 [.

ولو تأملنا آيات القرآن لوجدناها تربط بين الإيمان والإصلاح وتجعل الإيمان مقدمة له، وتجعله سابقا عليه، لأنه لا يمكن أن يكون إصلاح بغير المنطلق الإيماني، قال تعالى: " يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ] الأعراف:35 [ فلا ينبعث إلى الإصلاح إلا من اتقى الله، وعمر قلبه بخشيته وتقواه.
وفي الأخير نسأل رضاه

بقلم: الشيخ أبو وائل أكرم أحمد عمير