المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقوق أهل الكتاب وهم أهل الذمة


المربي
15-11- 2009, 01:27 PM
حقوق أهل الكتاب
في البدء نبين ان وضع اهل الكتاب الذين يتواجدون بصورة شرعية في الدولة الاسلامية يكون تحت احد الوصفين.
أ. اهل الذمة : وهم اهل الكتاب الذين يقيمون بدار الاسلام ولهم الامان على دمائهم واموالهم واعراضهم وحمايتهم وعليهم دفع الجزية للمسلم ين ما التزم المسلمون بحمايتهم.
المستأمنين: وهم الذين يمنحون الامان في دار الاسلام.
وقد كفل الاسلام حقوق أهل الذمة وأكد على ضرورة المساواة في التمتع بها كما للمسلمين ومن هذه الحقوق:-
1- حرية الاعتقاد
وهناك نصوص تؤكد على هذا الحق كقوله تعالى (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وقولهe (اتركوهم وما يدينون ولهم ما لنا وعليهم ما علينا) وقد عقد النبيe حلف موادعة ومسالمة لليهود في المدينة بعد الهجرة وأقرهم على دينهم واموالهم .
ولما ارسل عمر t الى نصارى نجران يعلى بن امية قال له ( ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم) وكانت وصيته لمن يلي امر المسلمين لمن بعده:اوصي الخليفة من بعدي باهل الذمة خيراً ان يوفي لهم بعهد وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم.
ويقول الامام عليt ( أمرنا ان نتركهم وما يدينون)
2. اداء العبادات
اباحت الشريعة الاسلامية لاصحاب الديانات الاخرى ممارسة شعائرهم الدينية واداء عباداتهم. ونهت عن التعرض لاماكن عبادتهم في اثناء المعارك بل من مقاصد الجهاد في سبيل الله الحفاظ على اماكن العبادة لجميع الاديان يقول الله تعالى (فلولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً)
وقد أوصى الخليفة أبو بكر t جيوشه بالآتي (ولسوف تمرون باقوام قد فرغوا انفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا انفسهم له ) وجاء في العهدة العمرية التي كتبها الخليفة عمر بن الخطاب لأهل القدس عند فتحها (هذا ما اعطى عمر امير المؤمنين اهل ايلياء(القدس) من الامان. اعطاهم امانا لانفسهم ولكنائسهم وصلبانهم...لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار احد منهم)
كما تعهد عمرو بن العاص لاهل الكتاب من المصريين بان لا يتعرض المسلمون لكنائسهم بسوء والايتدخلوا في امور النصارى كما سمح ببقاء اليهود بالاسكنرية متمتعين بنفس تلك الشروط. واذا كانت الشريعة الاسلامية اجازت للمسلمين الزواج من الكتابيات فأنها لم تجز لزوج ارغام زوجته الكتابية على ترك دينها ومنعها من اداء عبادتها وشعائرها الدينية.
وحينما عزم الوليد بن عبد الملك بناء المسجد الاموي عرض على نصارى دمشق رغبته بادماج كنيسة القديس يوحنا في المسجد وقدم لهم تعويضهم ببناء كنيسة اخرى في اي مكان شاؤوا، فأبوا واحتجوا بالعهد الذي بينهم وبين المسلمين، ولكن الوليد بنى المسجد وضم اليه ارض الكنيسة وفي عهد عمر بن عبد العزيز شكى نصارى دمشق هذا الامر فأمر بهدم ذلك الجزء من المسجد واعادة الارض الى اصحابها وتعويضهم عن ذلك الضرر، ولما تيقن علماء دمشق من جدية قرار عمر ذهبوا الى رهبان النصارى واستأذنوهم في بيع الارض للمسجد والابقاء على بنائه فوافق الرهبان على البيع ثم ذهبوا جميعا الى عمر بن عبد العزيز وبلغوه عن اتفاقهم، فاقر لهم بذلك.
على اننا في هذا البحث نؤكد على مسألتين:
الاولى:ذهب جمهور الفقهاء الى منع اهل الذمة من اظهار شعائرهم خارج بيوتهم ومعابدهم لما في ذلك من فتنة للناس عن دينهم أو لكونه سببا في اثارة جو من التوتر والاضطراب وهذا ينافي المصلحة العامة لاهل الاسلام.
الثانية: واذا كان فقهاء الاسلام اجازوا لاهل الذمة البقاء على معابدهم وترميمها فان جمهورهم لم يجز انشاء معابد جديدة لهم في بلاد الاسلام للاسباب أعلاه.
3-الحقوق المالية:
- أخذ الجزية: وهي ضريبة تستوفى من الذميين مقابل حمايتهم وحماية اموالهم والكف عنهم وكذلك علامة لخضوعهم واتباعهم للدولة الاسلامية.
واذا كان الاسلام فرض على اتباعه الجهاد في سبيل الله للدفاع عن الامة الاسلامية وللحفاظ على الدعوة واهلها، فأنه قصرها على اتباع هذا الدين لانهم وحدهم الذين يستطيعون أن يلتزموا بحدود الشرع ومبادىء الاسلام وضوابطه في الحرب ولا يتولوا عنها مهما كانت الظروف والنتائج واستثنى من الخدمة العسكرية أهل الذمة وعوض من ذلك فرض عليهم الجزية ولذا ان عجز المسلمون عن حماية اهل الذمة فان الجزية تسقط عنهم كما فعل القائد الاسلامي أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه وذلك حينما بلغه ان الروم تجمعوا لقتاله فأمر برد الجزية الى اصحابها الى ان يفصل الله بينه وبين الروم. وهذا الموقف أثر في نصارى الشام فقالوا: لولا يتكم وعدلكم أحب الينا والله مما كنا فيه من الظلم... والتوراة لن يدخل عامل هرقل مدينة حمص الا ان نغلب ونجهد.
ولو تأملنا احكام الجزية لتبين لنا انها ليست بذلك الغرم الشديد فاولا تؤخذ الجزية من الرجال الاحرار العقلاء فقط فلا تجب على المرأة والصبي والمجنون لانهم تبع لغيرهم وتسقط عن الذمي ان اسلم او مات ولا تسقط عن الشيخ الكبير والمريض اذا كانت لديهما القدرة على ادائها.
واما من حيث مقدارها فقد راعت الشريعة الاسلامية الوضع المالي لاهل الذمة فيوخذ من الاغنياء 48 درهماً ومن متوسط الحال 24 درهماًومن الفقراء 12 درهماً وهذا بالسنة الواحدة.وبذلك يكون الاسلام قد سبق الى اقرار وتحقيق مبدأ االعدالة في دستور الضرائب والذي عملت به اوربا في القرن الثامن عشر الميلادي.
-العطاء من بيت المال:
اذا كان جمهور الفقهاء قد ذهبوا الى ان ليس لغير المسلمين نصيب من اسهم الزكاة فانهم اتفقوا على جواز اعطائهم من الصدقات وان لهم حقاً في بيت مال المسلمين وقرروا ان الذميين سواء في الحقوق مع المسلمين في كفالة بيت المال للمعوزين منهم فقد تصدق النبيe على بيت من اليهود ثم اجريت عليهم الصدقة فيما بعد وكتب خالد بن الوليد لاهل الحيرة؛ايما شيخ ضعف عن العمل او اصابته افة من الافات او كان غنياً فافتقر وصار اهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت المسلمين هو وعياله وكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز الى عامله في البصرة قائلاً:وانظر من قبلك من اهل الذمة من قد كبرت سنه وضعف قوته وولت عنه المكاسب فاجر عليه من بيت المسلمين ما يصلحه.
ولهذا لما رأى عمر شيخاً كتابيا يسال الناس فقالوا لو انه نصراني:فقال ناكل ماله وهو شاب قوي ونتركه شيخاً:فامر له بسهم من بيت المال.
كما انه اكد على جباة الجزية ان يرفقوا بالناس في جبايتها وعندما اتى عمر بمال كثير فقال:اني لاظنكم قد اهلكتم الناس قالوا لا والله ما اخذنا الا عفوا صفوا قال:بلا سوط ولا نوط قالوا: نعم قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني.
3-الحقوق الادارية
اكد الفقهاء، قديماً ان الوظائف التي تتعلق بامور العقيدة والجهاد وقيادة الامة والمناصب ذات الخطورة التي تتعلق بوضع الخطط العملية وتوجيه دوائر الدولة المختلفة لاتسند الا للمسلمين ويعلل ذلك المودودي بقوله: (لان هذه الخدمات لاتسند في اي نظام مبدئي عقيدي الا الذين يؤمنون بمبادئه وعقائده).
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوامَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
وما سوى ذلك فاجاز الفقهاء ان يولى اهل الذمة ارفع المناصب واعلاها فيما يتعلق بادارة شؤون الدولة كالمحاسبين والمهندسين غيرها من الوظائف وان بلغوا اعلاها كوزير او مدير عام في الوزارات التنفيذية.
ويراعى في ذلك الاختصاص والكفاءة والنزاهة.
وهذا الامر اثار اعجاب كثير من كتاب الغرب كتوماس ارنولد وآدم متز الذي يقول: (من الامور التي نعجب لها كثرة عدد العمال والتصرفين غير المسلمين في الدولة الاسلامية) وتقول لورا فيشيا في كتابها دفاع عن الاسلام: (والواقع ان اليهود والنصارى لم يمنحوا حرية المعتقد الديني فحسب بل عهد اليهم تولي المناصب الحكومية حين كانت مؤهلاتهم الشخصية من القوة بحيث تلفت انتباه الحاكمين).
4-الحقوق الاجتماعية
المساواة امام القضاء:-
اذا تحاكم الذميون الى قضاة المسلمين جاز ذلك ويقضى بينهم بما انزل الله
وبما يقضى به بين المسلمين يقول الله تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
وان كان للذمي حق عند اكبر الشخصيات في الدولة الاسلامية فله حق مقاضاته، فقد وجد امير المؤمنين علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) درعه عند يهودي فكلمه فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي بيني وبينك قاضي المسلمين فاتيا شريحاً القاضي، فقال علي انها درعي فقال شريح لابد من شاهدين، فدعا قنبر وولده الحسن فشهدا انها درعه فقال شريح: اما شهادة مولاك فقد اجزناها واما شهادة ولدك لك فلا نجيزها، فقال علي ثكلتك امك: اما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة : قال اللهم نعم قال افلا تجيز شهادة سيد شاب اهل الجنة؟ قال انه ولدك ثم قال لليهودي خذ الدرع فقال اليهودي: امير المؤمنين جاء معي الى قاضي المسلمين فقضى لي ورضي صدقت والله يا امير المؤمنين انها لدرعك سقطت عن جملك فالتقطتها، اشهد ان لا إله الا الله وان محمداً رسول الله فوهبها له علي (رضي الله عنه).
-حسن التعامل معهم:
يقول الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين).
وقد جسد النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا المفهوم القرآني فكانت له علاقات طيبة مع اهل الكتاب الذين لم يعاودوا الاسلام ولم يخونوا الله ورسوله وما حادثة زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم) للغلام اليهودي ببعيدة عنا، بل ان اباحة الشريعة للمسلمين ان يتزوجوامن الكتابيات عامل مهم في تقوية العلاقات الاجتماعية معهم ولذا نجد النبي (صلى الله عليه وسلم) يوصي الذين يفتحون مصر بالاقباط بقوله: (انكم ستقتحمون مصر وهي ارض يسمى فيها القيراط فاذا اقتحمتوها فاحسنوا الى اهلها فان لهم ذمة ورحماً وفي رواية ذمة وصهراً، رواه مسلم وفعلا حينما فتحها عمرو بن العاص احسن الى اهلها فكتب احد مؤرخهم عن ذلك، فكان تسامحه مع مصر اثناء ولايته مثار دهشة المصريين واعجابهم.
طه احمد الزيدي