المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقوق الاقليات في ظل الحكومة‌الاسلامية


المربي
15-11- 2009, 01:31 PM
حقوق الاقليات في ظل الحكومة‌الاسلامية

ليس ثمة ‌دين او حكومة ‌في العالم كالاسلام يحرص على ضمان الحريات للاقليات ويحافظ على كرامتهم وحقوقهم القومية؛ فالاسلام هو الدين الوحيد الذي يوفر العدالة‌الاجتماعية بتمامها في البلد الاسلامي، وليس للمسلمين وحدهم بل لجميع القاطنين في دولته مع ما يوجد بينهم من اختلاف في الدين والعنصر واللغة‌واللون. وهذه إحدى المزايا الانسانية العظمى التي يعجز أي دين أو قانون غير الاسلام عن تحقيقها؛ فالاقليات الدينية تستطيع العيش في البلد الاسلامي بحرية‌والتمتع بالحقوق الاجتماعية‌والامنية داخليا وخارجيا شأنهم شأن المسلمين، وذلك بعقدهم لعهد الذمة والحصول على الانتماء للبلد الاسلامي.
1- شروط عقد الذمة:
لعقد الذمة ثلاثة شروط، وبزوالها ينتفي هذا العقد، وهي:
أ- ان لا يقوم اهل الذمة‌. بما يتنافى مع مفاد العقد المبرم، كالتآمر على الاسلام ومصالح المسلمين وشن الحرب ضدهم ومساندة‌ اعدائهم والمشركين.
ب- ان يلتزم اهل الذمة‌بأحكام الاسلام الجزائية التي تطبق بحقهم.
ج- دفع مبلغ سنوي تحت عنوان (الجزية) للدولة‌الاسلامية.
وتمثل هذه الشروط الثلاثة‌شروطا اساسية في عقد الذمة. اما اذا ادرجت شروط أخرى في العقد فيجب على اهل الذمة الالتزام بها. هذا العقد يوجب لاهل الذمة حقوقا على المسلمين، ويلزم الحكومة‌بحمايتهم من جميع اشكال التجاوز والاعتداء والاضطهاد، ويضمن لهم حرية اقامة‌شعائرهم الدينية وطقوسهم العبادية.
إن هذا التسامح من قبل المسلمين إزاء اهل الكتاب «اليهود والنصارى » يسميه المسلمون«عقد الذمة‌ أو المعاهدة» وهو يقوم على اساس نوع من «التعايش السلمي»، وبالرغم من بعض القيود التي يعاني منها اهل الذمة‌ في ظل الحكومة ‌الاسلامية الا أن الاسلام يضمن لهم الحرية‌والاستقرار قدر الامكان، وهذه مسؤولية‌الدولة الاسلامية في أن تحترم اموالهم وارواحهم واعراضهم، وان لا تسمح بان تتعرض حقوقهم للانتهاك بأي نحو كان.
ففي نظر الاسلام تحظى اعراض الاقليات الدينية، التي تخضع لذمة‌الاسلام وتعقد مع المسلمين عقد المعاهدة، بالاحترام كأعراض المسلمين.
2- الجزية ضريبة عادلة:
تمثل الجزية‌نوعا من العون المادي الذي يقدمه اهل الذمة للدولة الاسلامية‌في مقابل المسؤولية التي تتحملها في توفير الامان لهم.
ولا يوجد مقدار معين للجزية، وهي تتردد وفقا لقدرات الذميين.
يقول المؤرخ المسيحي الشهير جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن الاسلامي:
وضع الرومان الجزية على الامم التي أخضعوها وكانت أكثر بكثير مما وضعه المسلمون بعدئذ؛ فإن الرومان لما فتحوا غاليا (فرنسا) وضعوا على أهلها جزية يختلف مقدارها ما بين 9 جنيهات و 15 جنيها في السنة، او نحو سبعة أضعاف جزية ‌المسلمين(12).
يتضح من هذا الحكم ان ظروف الذميين قد أخذت بنظر الاعتبار في اخذ الجزية أيضا، وهذا ينم عن غاية‌التسامح والوئام والعفو والصفح الذي يتصف به المسلمون.
يتبين أن على أهل الذمة‌إما أن يدفعوا الجزية، وإما خراج الاراضي. ومن هنا فلا يجوز للدولة‌الاسلامية استيفاء‌مايزيد عن هاتين الضريبتين (الجزية‌والخراج) من الاقليات الدينية.
بناء على ذلك فإن الجزية تعد شيئا ضئيلا في قبال المسؤوليات التي تتحملها الحكومة الاسلامية، إذ إن أهل الذمة بتسديدهم المبلغ السنوي مقابل ضمان امنهم بالكامل فإنهم لا تقع عليهم أية‌مسؤولية من الناحية العسكرية‌والدفاعية‌، ولا تشملهم الضرائب التي تتقاضاها الحكومة‌الاسلامية‌من المسلمين بناء على ما جاء في القانون الاسلامي.
ان الواجبات المفروضة على المسلمين إزاء الحكومة الاسلامية‌ أكثر بكثير وأصعب مما هي عليه بالنسبة لاهل الذمة‌؛ لان المسلمين مكلفون بأداء الخمس والزكاة والخراج والصدقات الى الحكومة وعليهم اداء الخدمة‌العسكرية عند الحاجة،‌في حين أن أهل الذمة بتسديدهم لمبلغ ضئيل ينتفعون بكل ما توفره الحكومة‌ الاسلامية‌ويقفون على قدم المساواة مع المسلمين، والحكومة‌تتعامل مع الجميع على حد سواء من حيث توفير الامن واسباب الاستقرار والرفاهية العامة.
3- الاعتراف بحقوق الاقليات:
يوضح القرآن الكريم بصريح الكلام السياسة الاسلامية العامة فيما يتعلق بالمحافظة على حقوق سائر الاديان فيقول:
«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يجب المقسطين»(13).
أي لو أن الاقليات الدينية ومن يقف في صف المعارضة للاسلام لم ينهضوا لقتالكم ولم يمارسوا الضغوط عليكم او يخرجوكم من دياركم، فليس لكم الا التعامل معهم بالقسط والاحسان. وهكذا يسمح الاسلام للاقليات الدينية ولمعارضيه أن يعيشوا داخل المجتمع الاسلامي ويتمتعوا بكامل الحقوق الانسانية، شريطة‌ان لا يؤذوا المسلمين أو يناهضوهم.
يقول تعالى في آية اخرى:
«إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون»(14).
نستفاد من هاتين الايتين معالم السياسة العامة للاسلام بشأن الاقليات الدينية‌والمناهضين للاسلام؛ فما دامت الاقلية لا تتعدى على حقوق الاكثرية‌ولا تحوك المؤامرات ضد الاسلام والمسلمين فإنها تتمتع بكامل الحرية‌في البلد الاسلامي وعلى المسلمين التعامل معها بالقسط والاحسان، أما اذا تواطأوا مع بلدان اخرى للعمل ضد المسلمين، حينها يتعين على المسلمين التصدي لممارساتهم وعدم النظر اليهم بعين المودة.
4- حث الاسلام المسلمين على احترام عقودهم فيما يتعلق بحماية‌ اهل الذمة‌ ومداراتهم وحسن التعامل معهم، وقد جاء في القرآن الكريم:
«ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إليكم»(15).
وقد اوصى النبي الاكرم (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) المسلمين بالرفق بأهل الكتاب ومداراتهم، فقد ورد حديث عنه (ص) يقول فيه:
«من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة»