المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نعمة الأمطار


المربي
10-01- 2010, 01:22 PM
نعمة الأمطار

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمـا بعد


فيا عباد الله : أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل ، فتقوى الله هي طريقُ النجاة والسلامة ، وسبيل الفوز والكرامة .
" ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " .

أيها المسلمون: إننا نتقلب في هذه الآيام في نعم من الله زاخرة ، وخيرات عامرة ، سماؤنا تمطر ، وشجرنا يثمر ، وأرضنا تخضر ، فتح الله لنا برحمته أبواب السماء ، فعم بخيره الأرض ، وانتفع العباد .

إنه لا يخفى على أحد ما حصل من الضرر بتأخر نزول الغيث في الأعوام الماضية ، فالآبار قد نضبت ، والثمار قد ذبلت ، والمواشي قد هزلت ، ومعها القلوب قد وجفت .

كاد اليأس أن يصيب بعض القوم لما رأوا في مزارعهم وديارهم ، فإذا بالرحيم سبحانه ينزل بعض رحمته ، فتنهمر السماء وترتوي الصحراء ، فلا إله إلا الله ، ما أعظم جوُدَهُ ، ما أكرم عطاءًه .

" وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ".

عباد الله : إن إنزال الغيث نعمة من أعظم النعم واجلها ، " يا أيها الناس)امتن بها سبحانه على عباده ، وأشاد بها في كتابه فقال سبحانه : أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشاً ، والسماء بناء ، وأنزل من السماء مآء فأخرج من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله " .(أنداداً وأنتم تعلمون

إن مما يدل على عظم نعمة الغيث ، تلك الأوصاف التي ذكرها الله تعالى في كتابه ، فأحياناً يصف الماء بالبركة ، وأحياناً يصفه بالطهر ، وأحياناً بأنه سبب الحياة ، ونحو هذا من الصفات التي لا تليق إلا بهذه النعمة العظيمة ،

ويقول( ونزلنا من السماء ماءاً مباركاً )يقول سبحانه: والله أنزل من السماء) ويقول سبحانه : ( وأنزلنا من السماء ماءاً طهورا )سبحانه : .(ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون

عباد الله : لما كان كثير من الناس ينظر إلى نعمة الغيث نظر بصر مجرد ، غفلوا عن أشياء كثيرة ، وفاتهم غيث القلوب ، وهو النظر إلى تلك النعمة بنظر البصيرة ، والاعتبار إلى هذه الآية العظيمة ،

ففي هذا الغيث مواطن للعبر ، وآيات للتذكر ومن أبرزها :

- أنه دليل باهر ، وبيانٌ قاهر على توحيد الله ، وعظيم أمره وجليل سلطانه .
لو اجتمع الأنس والجن والملائكة ، وأرادوا انزال قطرة غيث واحدة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .

إذا اراد الله أمراً فإنما يقول له كن فيكون ....

ينشئ المولى سبحانه السحاب فتتراكم وتتجمع على أشكال مختلفة ، ثم تأتي الرياح بأمره فتسوقها إلى بلد محدد دون بلد آخر ، وإلى مكان محدد دون مكان آخر ، فينزل المطر بقدر معلوم ، وفي أوقات معلومة بتقدير العزيز العليم ،

روي عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره أنه قال : ليس عام أكثر مطراً من عام ، ولكن الله يقسمه كيف يشاء ، فيمطر قوم ، ويحرم آخرون ، وربما كان المطر في البحار والقفار ، ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر)وهذا معنى قوله سبحانه : الآية .(ما يشاء ..

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن نزول المطر : فيرش السحاب على الأرض رشاً ، ويرسله قطرات منفصلة ، لا تختلط قطرةٌ منها بأخرى ، لا يتقدم متأخرها ولا يتأخر متقدمها ، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمتزج بها ، بل تنزل كل واحدةٌ في الطريق الذي رُسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرةً قطرةً ، قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداهُ إلى غيره ، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا قطرةً واحدةً ، أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه ، ثم قال رحمه الله : فـتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقاً للعباد والدواب والطير والذر والنمل ، يسوقه رزقاً للحيوان الفلاني ، في الأرض الفلانية ، بجانب الجبل الفلاني ، فيصل إليه على شدة الحاجة والعطش )) .

فتبارك الله أحسن الخالقين ورب العالمين .

عباد الله : ومن الآيات والعبر في نزول المطر أنه دليل واضح على قدرته سبحانه على إحياء الموتى وإثبات البعث والنشور ، فالذي يحي الأرض بعد موتها بالمطر ، قادر على احياء الموتى بعد مفارقتهم للحياة ، " ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء أهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير " ، " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه على بلد ميت ، فإحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور " .

أيها المسلمون : إن هذا الغيث الذي أنزله الله علينا لمن فضل الله ورحمته ، فكلُنا يعلمُ أن بلادنا ليس بها أنهار ، وأنها تعتمد بعد الله في بعض شؤونها على مياه الآبار التي تغذيها الأمطار ، فعلينا أن نقوم بشكره سبحانه على نعمته ، وأن نستعين بها على طاعته ، فإن من قام بشكر الله زاده الله ، ومن كفر بنعمة الله حرمه الله ،
" وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد " .

إن إنزال المطر عبادالله ليس بالتأكيد أن يكون دليل رضاً من الله عن خلقه ، فها هي دول الكفر والضلال ينزل عليها المطر صباح مساء وعلى مدار العام ، فالمطر قد ينزل إنعاماً ، وقد ينزل استدراجاً ، وقد يكون رحمة ، وقد يكون عذاباً.

لقد أهلك الله بهذا المطر أقواماً تمردوا على شرعه ، وتنكروا لهديه ، قال سبحانه " كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر ، وحلمناه على ذات ألواح ودسر* تجري بأعيننا جزاء لمن كفر * ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر " .

عباد الله : إن من مظاهر كفران نعمة إنزال المطر التشبه بأهل الجاهلية في نسبة إنزال المطر إلى غير الله من الكواكب والأنواء وغيرها من الأسباب ، عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال : (( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على أثر سماءٍ كانت من الليل ، فلما أنصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ما قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا كذا ، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب )) رواه مسلم .

أيها المسلمون : ومن كفران النعم أيضاً تسخير هذه النعمة في معصية الله تعالى ، حيث يخرج البعض من الناس بعد نزول المطر إلى المتنزهات والصحاري ، مصطحبين منكراتهم ، ومعاصيهم من أنواع اللهو المحرم يعصون الله في أرضه ، ويستمتعون بنعمته ، بل كثير من أولئك وللأسف يضيعون الصلاة أو يؤخرونها عن وقتها ، وقد يصطحبون معهم أطباق الفضائيات ومختلف الآلات ، مع إهمال واضح للبنين والبنات ، وتبرج النساء وعدم الاحتشام في تلك الرحلات أمر لا يخفى .

ألا فاتقوا الله عباد الله ، وخذوا على أيدي السفهاء ، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان واتقوا لله إن الله شديد العقاب " .

يقول مجاهد رحمه الله : إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر ، تقول : هذا بشؤم معصية بن آدم .

اللهم أجعل ما أنزلته علينا عوناً على طاعتك .

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم الجليل .








الخطبة الثانية

نعمة الأمطار

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، ولا عدوان على على الظالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد

فيا عباد الله : ثبت عن نبيكم صلى الله عليه وسلم سُنَنَ قولية ، وسُنَنُ فعلية ، كان يأتي بها عند نزل الأمطار ومن ذلك :

أنه كان يقول إذا رأى الغيث ( اللهم صيباً نافعاً ) رواه البخاري ، وفي رواية لأبي داود ( اللهم صيباً هنيئاً ) وثبت عنه أيضاً أنه قال : ( مطرنا بفضل الله ورحمته ) رواه البخاري .

أما إذا نزل المطر وخشي منه الضرر فيدعا بقوله صلى الله عليه وسلم :
( اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام ، والظراب ، وبطون الأودية ، ومنابت الشجر ) أخرجه الشيخان .

أما السنن الفعلية فمنها :

استغلال وقت نزول المطر بالدعاء ، واستحب بعض العلماء رفع اليدين لحديث ،
( ثنتان لا يرد فيهما الدعاء عند النداء ، وعند نزول المطر ) أخرجه الحاكم ، وحسنه الألباني رحمه الله .

وكذلك يستحب كشف بعض البدن حتى يصيبه المطر ، ثبت في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض بدنه ليصيبه المطر ، وقال : ( إنه حديث عهد بربه ) .
أي حديث عهد بتخليق الله تعالى له ، وروى أبو الشيخ الأصبهاني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن رأسه حتى يصيبه المطر .

فأحيوا هذه السنن عباد الله اقتداءاً بنبيكم صلى الله عليه وسلم .

أيها المسلمون : هذه الأمطار ، وتلك الأجواء الباردة تدفعنا أحياناً لجمع الصلوات ، ولبس الخفاف والجوارب ، وهذه الأفعال أفرد لها علماؤنا أبواباً متفرقة في كتبهم ، وحري بكل مسلم فضلاً عن طالب علم ، أن يتفقه في دينه ويتعلم أحكام تلك الأفعال ،حتى يقدم على العبادة على بينة وبصيرة .

اللهم يا ذا الأسماء الحسنى والصفات العلى أبرم لأمة محمد أمر رشد .

اللهم عليك باعداء الدين أجمعين ، اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بددا .

اللهم عافنا في أبداننا ، اللهم عافنا في أسماعنا ، أبصارنا ، لا إله إلا أنت اللهم إن نعوذ بك من الكفر والفـــقر .

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا مع القانطين .

اللهم سقيا رحمة ، اللهم سقيا رحمه اللهم سقيا رحمه لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق .

اللهم أنبت لنا الزرع , أدر لنا الضرع ، وأنزل علينا من بركات السماء ، قوة لنا ومتاعاُ إلى حين .

اللهم إن خلق من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك .

ربنا لا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا .

ربنا تقبل من إنك السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم .

عباد الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...