المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عليك شهود يوم القيامة


المربي
21-01- 2010, 08:10 PM
شهود يوم القيامة

الخطبة الأولى:
الحمد لله الملك المعبود ، خلق الخلق وسن السنن وشرع الشرائع وحد الحدود ، فأمرنا با تباع الأوامر واجتناب النواهي وأخذ منا على ذلك المواثيق والعهود ، ويوم الحساب سيقضي بين الخلائق بالعدل وبالأدلة والشهود .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العالم بكل شئ والمحيط بكل شئ فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولاتخفى عنه خافية ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله شاهدا ومبشرا ونذيرا لكافة الخلق أجمعين. فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته أجمعين والتابعين لهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين واجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم يارب العالمين.أما بعد

أيها المومنون والمومنات ، اتقوا الله ربكم واحمدوه واشكروه على أن هداكم للايمان وجعلكم من أمة الإسلام ، أمة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام .
أيها الإخوة والأخوات ،في خطبتنا لهذا اليوم بحول الله سنتحدث عن أمور عظيمة وعن مواقف جليلة فيها موعظة للمتعظين وتذكرة للمتذكرين وعبرة للمعتبرين . كل واحد منا يعرف محكمة الدنيا وشهود الدنيا ولكن ماذا نعرف عن محكمة الآخرة وشهود يوم القيامة ؟ فيا أيها الإخوة ، أين تذهبون ؟ ماذا بعد الموت؟ ماذا سيحصل لنا ساعة العرض على الله ، ساعة الحساب ؟ يوم تقام المحكمة الإلهية ويوم يقوم الاشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. إن شهود الدنيا قد يكذبون وقد يكونون شهود زور، وقد يزيدون وينقصون في شهاداتهم، وقد يمتنعون عن الشهادة خوفاً من فلان أو فلان، ، وقد تكون شهادتهم غامضة تحتاج إلى توضيح وتفصيل، لكن شهود يوم القيامة، صنف آخر من المخلوقات، يختلفون تماماً عن شهود الدنيا، لا تنفع معهم الرشاوى، ولا يعرفون المجاملات، يؤمرون من خالقهم فينطقون، لا يزيدون ولا ينقصون، لا يكذبون ولا يمتنعون، شهادتهم واضحة، لا تحتاج إلى إيضاح، عباراتهم مفهومة، لا تحتاج إلى تفصيل، كلهم يرفع راية الحق والصدق فيقولون"أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ"
عباد الله: سنحدث عن شهود يوم القيامة ، موضوع تقشعر منه القلوب وترتجف له الأبدان، موضوع يذكرنا بمواقف سوف نمر عليها جميعاً، وسوف تكون مواقف صعبة للعصاة منا، والمخالفين منا لأوامر الله، والتاركين منا لبعض ما أوجبه الله ، فكل منا أدرى بنفسه وتقصيره ، فلنحاسب أنفسنا يا عباد الله، ونحن هنا في الدنيا، وفي الوقت متسع، وباب التوبة مفتوح، قبل أن يؤتى بالشهود، يوم القيامة، في يوم عسير، على الكافرين والفاسقين والمنافقين غير يسير.فلنبادر أيها الأخوة بترك المنكرات، وترك ما نهى الله عنه، قبل أن يؤتى بشهود يوم القيامة، الذين لا تنفع معهم واسطة، ولا محاباة .من هم هؤلاء الشهود الذين سيشهدون علينا يوم القيامة؟
الشاهد الأول من شهود يوم القيامة: الأرض، نعم الأرض، هذه الأرض التي تناديك كل يوم وتقول لك :
يا ابن آدم تمشي على ظهري ومصيرك في بطني!! يا ابن آدم تأكل الألوانعلى ظهري ، وتأكلك الديدان في بطني !
يا ابن آدم تضحك على ظهري، فسوف تبكي فيبطني ! يا ابن آدم تفرح على ظهري ، فسوف تحزن في بطني !
يا ابن آدم تذنبعلى ظهري فسوف تعذب في بطني !
هذه الآرض، ستشهد إما لك أوعليك يوم القيامة. يقول الله تعالى:"إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم هذه الآية:"يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا" فقال:"أتدرون ما أخبارها" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:"فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة، بما عمل على ظهرها، أن تقول: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، قال فهو أخبارها". فياله من موقف صعب، وياله من منظر مهول، الأرض، هذا المخلوق، الذي كان الإنسان يطأه بقدمه في الدنيا، ويعمل عليه المعصية، دون أن يعلم بأن هذا الجماد الصامت سوف ينطقه الله يوم القيامة، ليكون شاهداً له أو عليه، يشهد بكل ما رأى من زنى وتبرج وربا وقتل، وظلم ، وكذب وسرقة وغيبة ونميمة وغيرذلك مما يغضب الله تعالى، وكذلك تشهد بما حدث عليها من خير في جميع صوره، إنه منظر مرعب، بعد أن يقوم الإنسان من قبره، فيرى تساقط النجوم، وتشقق الأرض وهي تخرج أثقالها، فيتساءل مرعوباً مالها، مالها؟وإذا بالأصوات تنبعث من كل مكان من أرجائها، تتحدث بما فعل عليها من الخير أو الجريمة، فهل يتعظ الإنسان وهو يمشي على هذه الأرض؟ فهل يتقي الله المسلم وهو يطأ هذه الأرض، فلا يفعل عليها إلا ما يرضي الله لكي تكون شاهدة على ذلك؟.
الشاهد الثاني من شهود يوم القيامة: الرسول صلى الله عليه وسلم ، في ذلك اليوم الذي تتبدل فيه الأرض غير الأرض والسموات، وتتحطم كل موازين الدنيا، ويبقى ميزان الآخرة، هو وحده الذي يحكم ذلك الموقف، يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم بالشهادة على المكذبين والعصاة من أمته، يقول تعالى: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا"
يحشر الناس في ساحة العرض الواسعة، وكل أمة تكون حاضرة، وعلى كل أمة شهيد بأعمالها، وعندما يكون هؤلاء العصاة واقفون في الساحة ينتدب الرسول صلى الله عليه وسلم للشهادة، عندها تتمنى طوابير العصاة والمخالفين من كل أمة، يتمنى المرابون، والفاسقون، والظالمون، والمتكبرون، والقائمون على إشاعة الفواحش بين الناس، والنمامون، والمغتابون، والمتهاونون في الصلوات، وغيرهم من أصحاب المعاصي، يتمنون لو تشقق الأرض ، يتمنون لو تبتلعهم الأرض، ويهال عليهم التراب، كي لايمر عليهم الحساب وكي لا يفتضح أمرهم أمام الخلائق ، يمنون لو تسوى بهم الأرض، "يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا" بل يتمنون أن يكونوا تراباً لا قيمة لهم تطأهم الأقدام، كما كانوا هم يطأون رقاب عباد الله، ويطأون أوامر الله بالمخالفة، يتمنون كل ذلك حتى لا تكشف ذنوبهم أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو يشهد على معاصيهم.
الشاهد الثالث من شهود يوم القيامة: الأنبياء، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم يشهد على أمته، كذلك كل رسول يشهد على أمته، بما فعلوا وأساءوا يقول الله - عز وجل -: "وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ" فلا مجال للاستعتاب، ولا مجال للاعتذار، فاليوم يوم حساب، وما هو بيوم استعتاب.
الشاهد الرابع من شهود يوم القيامة: الأشهاد، وهم الملائكة والرسل والعلماء، إذ يقول تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" ماذا يقول الأشهاد؟ يقولون : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" يشهدون بها على الكفرة، والمنافقين والعلمانيين، والمجاهرين من العصاة ، يشهدون بها علنا وعلى رؤوس جميع الخلائق، .
الشاهد الخامس من شهود يوم القيامة: الملكين قال الله تعالى: "وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ" يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره: " ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله" لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا، بل كان غافلاً عن هذا الموقف، فيالها من حسرة ويالها من ندامة. أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله .إنها مواقف تستحق أن يفكر الإنسان فيها كثيراً، وإنها لشهادات، لا بد للعاقل أن يحسب لها ألف حساب قبل أن يقف أمام الله عندما تكشف الأوراق وعندما تنطق الأشهاد، "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ"
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتعظون، ثم يتوبون، ثم يعملون صالحاً، ثم يقبضون على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، .فاللهم يارحمن يارحيم ارحمنا يوم الوقوف بين يديك ويا ستار يا ستير استرنا واستر عيوبنا ولا تفضحنا يامولانا يوم العرض عليك.آمين والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين ، أما بعد:

أيها المسلمون: الشاهد السادس من شهود يوم القيامة" المومنون. قال تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْأُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُعَلَيْكُمْ شَهِيدًا"فمن شهد له المؤمنون الصادقون بالخير وعُرف بهذا وكانت سمعته حسنة،فهو كما قالوا. ومن عرف بينهم بالكذب والخيانة والإذاية، فهو كماقالوا.
فالمؤمنون شهداء الله في الأرض.أخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسٍ بْنِمَالِكٍ. قَالَ: مُرّ بِجَنَازَةٍ فَاُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرَاً. فَقَالَ نَبِيّاللّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ» وَمُرّ بِجَنَازَةٍفَاُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرّا. فَقَالَ: نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَجَبَتْوَجَبَتتْ وَجَبَتْ». قَالَ عُمَرُ: فداك أَبي واُمّي! مُرّ بِجَنَازَةٍفَاُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرّا فَقُلْتَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ. ومُرّبِجَنَازَةٍ فَاُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرّا فَقُلْتَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ اُثْنِيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْراًوَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ. وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرّا وَجَبَتْ لَهُالنّارُ. أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللّهِ فِي الاَْرْضِ. أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللّهِ فِيالاَْرْضِ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللّهِ فِي الاَْرْضِ."

أيها المسلمون،ومع كثرة الشهود يوم القيامة، إلا أن هناك صنفاً من الناس، الضالين، لا يعترفون بشهادة أحد، ولا يقبلون شهادة الآخرين عليهم، هؤلاء يأتيهم الشاهد السابع من شهود يوم القيامة: وهي جوارحهم، سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لتكون شاهداً عليهم، وهناك تكون المفاجأة لهم، يقول الله تعالى: "وَيَوْمَ نحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ" فكل من خالف ما أمر الله به، في أي أمر من الأمور، فهو داخل تحت مسمى أعداء الله، وهكذا يجتمع الملايين من الإنس والجن تحت هذا المسمى، "وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ" يسوقهم الله تعالى بسلطانه، الذي لا سلطان لأحد في ذلك اليوم إلا سلطانه، يسوقهم إلى أرض المحشر، يساقون ويدفعون الى النار"يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا" بإهانة وذلة واحتقار، لأنهم استهانوا بأوامر الله عز وجل في الدنيا، حتى إذا ما جاءوها ووصلوا إلى النار، واستعدوا للحساب قبل الاقتحام يسألهم الجليل عن نعمه عليهم، في الدنيا وماذا فعلوا بها؟ كما جاء في صحيح مسلم مسألة الرب - جل وعلا- لأحد هؤلاء العصاة، قبل أن يقذف في النار، يقول له الرب تبارك وتعالى: "ألم أكرمك؟ وأسودك؟ وأزوجك؟ واسخر لك الخيل والإبل؟ وأذرك ترأس وتربع؟" فيكذب على الله ويقول: أي رب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقال له: الآن نبعث شاهداً عليك، فيقول في نفسه من ذا الذي سيشهد عليه، وإذا به يفاجأ بختم فمه، لايستطيع الكلام . من سينطق ؟ من سيشهد عليه؟ جوارحه، فيقال لفخذه: أنطق - كما في صحيح مسلم - فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله "الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" يقول الله تعالى: "حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" فعندما تنبعث الأصوات من كل مكان في جسد ذلك العاصي، وهو يرى بعينه، ويسمع بأذنه ما لم يكن يتوقعه، وما لا عهد له به، ولا يستطيع الكلام، فقد ختم الله على فمه، فيداه تشهد، وسمعه يشهد، وبصره يشهد، وفخذه تشهد، وعظامه تشهد، وجلده يشهد، وهو مربوك لا يستطيع الكلام لهول المنظر، الذي يراه ولا يكاد يصدقه، حتى إذا خُلّي بينه وبين الكلام قال مخاطباً جلده – لم شهدتم علينا؟ – وإذا بالجلود ترد عليه: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء – ثم يزيد الموقف سوءاً عندما يسمعون التوبيخ من جلودهم "وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ" وعندها لا يستطيع إجابة جوارحه إلا باللوم والعتاب الذي لا ينفع في ذلك اليوم العصيب.
أيها المسلمون: إن هذه الجوارح التي هي بإمرتنا، وتحت تصرفنا في هذه الدنيا، سنفقد السيطرة عليها في الآخرة، فإما أن تكون شاهدة لنا بخير، وإما أن تكون شاهدة علينا بشر.
فاتقوا الله أيها المسلمون في جوارحكم وأعضائكم إنها ستنطق غداً أمام الله - عز وجل -، وتكون الفضيحة هناك، كم من نظرة محرمة أطلقتها في شابة ملونة، ستنطق بهاعيناك ، كم من خطوة مشيتها في معصية الله ستنطق بها رجلاك ، كم أشياء أخذتها وقبضتها وأنت تعلم أنها ليست لك، ستنطق بها يداك، كم من أمور، ملايين الأمور بل ملايير الأمور، ستشهد بها جوارحك وأنت في حيرة من أمرك .أشياء كثيرة عملناها ونسينا أن جوارحنا ستشهد بها علينا.
أيها المسلمون: وبعد هذه السلسلة من الشهود، التي لا مفر للعبد منها، لا يملك العصاة أمام هذه الشهادات المتوالية إلا أن يشهدوا هم على أنفسهم.
وهذا هو الشاهد الثامن من شهود يوم القيامة: وهو شهادة الإنسان على نفسه، قال الله تعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ" هل هناك ذلة وخزي بعد هذا، شهادة الإنسان على نفسه، لماذا يوصل الإنسان نفسه إلى هذا الحد، وهو بإمكانه ألا يحرج نفسه؟! لكنها شهوة المعاصي، والتساهل بالمعاصي ، نتيجتها هي هذه.
إذاً فليتحمل الإنسان شهادة كل هؤلاء الشهود عليه، إذا لم يفكر في نفسه الآن.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ" .
اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدى بها قلوبنا، وتجمع بها أمرنا، وتزكى بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وترد بها الفتن عنا، وتعصمنا بها من كل سوء. اللهم استرنا فوق الأرض وارحمنا تحت الأرض ولا تفضحنا يوم العرض واصفح الصفح الجميل آمين يا رب العالمين.