المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حالتنا مع القرآن


المربي
26-01- 2010, 06:51 AM
حالتنا مع القرآن


اعتاد الناس الاستماع إلى القرآن في كل مكان وزمان والإكثار من قراءته في رمضان وغير رمضان، بدون اهتمام، وبدون خشية ولا تخشع، وبدون تدبر ولا عبرة بما يلقيه علينا من أوامر ونواه، ومن وعد ووعيد، لهذا وجبت الموعظة في الموضوع.


الخطبةالأولى
بعد الحمدلة والشهادة، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الآل والأصحاب.
أما بعد، فموضوع الخطبتين اليوم حالتنا مع القرآن. عباد الله، يتنافس المؤمنون والمؤمنات خلال هذا الشهر المبارك في تلاوة القرآن بالصلاة وبغير الصلاة وقد جعل الله من صفات عباد الرحمان المؤمنين الذين يتخشعون بتلاوة القرآن فقال تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا) إلى آخر الآيات...
هؤلاء المؤمنون وصفهم الله عز وجل بأنهم كانوا يتجاوبون مع القرآن يتلون آيات الله بقلوب مفتوحة واعية، وعيون ناظرة راعية، وآذان صاغية، لا يكونون كالعميان لا ينظرون، ولا كالصم (الطرش) لا يسمعون، ولكنهم يتلون ويتدبرون ويتفهمون معاني القرآن ويتذكرون به ويتعظون، يمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، لقد اعتدنا أن نسمع القرآن يتلى في كل مكان: في المساجد وفي الدور وفي القصور، وفي المتاجر، وفي الأسواق، وفي الأزقة، وفي المقاهي، وفي السيارات والحافلات، وفي الإذاعات المحلية والوطنية والدولية. أينما ذهبت تسمع القرآن، نسمعه من إذاعات مختلف الدول والشعوب، نسمعه من إذاعة لندن، نسمعه من إذاعة إسرائيل لأن الصهاينة مطمئنون بأن القرآن لم يعد يحرك فينا ساكنا أو ينبه منا غافلا.
أيها المؤمنون، إن هذا القرآن العظيم فيه أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وفيه صفات المؤمنين وصفات الكافرين وصفات المنافقين، وفيه بيان لما يصير إليه هؤلاء وهؤلاء، وفيه ذكر الآخرة والجنة والنار، وفيه الوعد بالثواب في الجنان، وفيه الوعيد بالعذاب في النيران، وفيه الترغيب في كل ما ينفع الناس، وفيه الترهيب من كل ما يضر الناس وفيه الأمر والنهي وفيه الحكم والأمثال والقصص والمواعظ، وفيه الهداية والرحمة والبشارة للمؤمنين، قال تعالى: (ونزلنا عليك القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) هذا القرآن الكريم الذي هو المعجزة الكبرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المعجزة الباقية الخالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يسره الله للذكر والتلاوة يفهمه الخاص والعام. قال تعالى: (و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر). سمعه المشركون فتأثروا به وقالوا (إن لهذا الكلام لحلاوة وإن له لطلاوة) أي حسنا وجمالا. وإن أعلاه لمثمر أي أعراشه العليا فيها الثمار والفوائد العظيمة. وإن أسفله لمغدق(أي جذوره السفلى طرية رطبة خصبة تتجدد فيها المعاني كما تتجدد أوراق الشجرة). وإنه ليعلو ولا يعلى عليه
وليس من كلام الجن ولا من كلام البشر. هكذا وصفه فصحاء العرب لما سمعوه.
- وسمعه الجن فتأثروا به وقالوا:(إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك برنا أحدا).
- وسمعه نصارى الأحباش حينما قدموا على رسولا الله صلى الله عليه وسلم في مكة لهذا الغرض فلما رأوا رسول الله وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا. قال تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين).
- وسمعه المومنون فازدادوا به إيمانا قال تعالى: (إنما المومنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (أي خافت وفجعت) وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون).
- وسمعه الكافرون والمنافقون والملحدون، فازدادوا كفرا على كفرهم. قال تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم و ما توا وهم كافرون).
أيها الأخ المسلم، أيتها الأخت المسلمة: قس نفسك على هؤلاء من هذه الأصناف من البشر فأنت وحدك الذي تعرف نفسك وانظر من أي الناس أنت؟ هل يزداد إيمانك إذا قرأت القرآن؟ هل تزداد خشيتك من الله إذا سمعت القرآن ؟ هل يتحرك قلبك؟ هل تدمع عيناك؟ أم أنك مثل غيرك من الغافلين؟ تقرأ القرآن كما تقرأ كلام الناس لا تتدبره ولا تتأثر به فأستغفر الله العظيم لي ولكم على هذا الحال وأستغفر الله لي ولكم من قراءة القرآن بلا تخشع.
أخي المؤمن اجتهد في أن تتجاوب مع كلام الله هذا الكلام الذي قال الله في وصفه : (لوأنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) أي لو كان الجبل عاقلا مثلك وأنزل الله عليه هذا القرآن لتصدع وتشقق من خشية الله. حاول أن لا يكون قلبك كقلوب بني إسرائيل التي وصفها الله بقوله: (ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة). اجتهد أخي المؤمن أن تكون من الذين يشفع فيهم القرآن يوم القيامة فقد روى مسلم وغيره عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا القرآن فإنه ياتي يوم القيامة شفيعا لأأصحابه)، و ابتعد ما أمكنك عن حال الناس الذين يقرؤون القرآن والقرآن يلعنهم. قال أنس ابن مالك رضي الله عنه: "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه". لأنه يقرأ قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين) ويكون هو من الظالمين، ويقرأ قوله تعالى: (أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) ويكون هو من أهل الكذب، ويقرأ قول الله تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) ويكون هو من الذين يقولون ما لا يفعلون. نعوذ بالله من حال هؤلاء ومن حال أهل النار. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
بعد الحمدلة والشهادة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد، فيا عباد الله، هل لنا أن نعظ بالسلف الصالح من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تجاوبهم مع القرآن.
وتأثرهم به في الابتعاد عن معصية الرحمان، فهذا سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقول في أمثالنا ممن لا يتأثرون في القرآن: "أنزل القرآن عليهم ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته أي من الحمد لله رب العالمين إلى من الجنة والناس ما يسقط منه حرفا واحدا ولكنه يسقط العمل به".
وهذا سيدنا عبد الله ابن الزبير رضي الله عنه سأل جدته أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: "ياجدة كيف كان أصحاب النبي إذا سمعوا القرآن وقرأوه قالت: يا بني كانوا كما نعتهم الله: تدمع الأعين وتقشعر الجلود وتخشع القلوب. فأين نحن من هؤلاء أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، نقرأ القرآن ونستمع إليه في كل مكان ونحن مشغولون بغيره لاهون غافلون، لا نقرأه لنعمل به، ولا نسمعه لنتعظ به، ولا لنحيي به قلوبنا أو نجدد به إيماننا، وإنما نسمعه للطرب والمتعة ولإشهار السلع والحفلات وللتمتع بأصوات الذين يقرؤون القرآن لا بالقرآن ومعانيه وأحكامه ومواعظه.
فاتقوا الله عباد الله، واتقين الله إيماء الله، واقرؤوا القرآن، واستمعوا إليه لتعملوا به ولتتعظوا به، ولتغيروا به حياتكم من المعاصي للطاعات كما غير الصحابة والسلف الصالح حياتهم به من اللهو والعبث إلى حياة الإيمان والتقوى.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، إن الله تعالى يسألنا يوم القيامة عن القرآن فيكون القرآن شاهدا علينا أو لنا ألا تخافون أن يقول القرآن لرب العالمين يا رب هؤلاء أهملوني حفظوا آياتي وكلماتي وحروفي، وضيعوا أحكامي وحدودي؟ ألا تخافون أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة: "يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا" لم يهجروا تلاوته وقراءته وإنما هجروا تدبره والعمل به. فاقرؤوا القرآن أيها المؤمنون قراءة المتدبر المتفكر المتأثر الذي يقرأه للعمل لا لمجرد المتعة بالأصوات الجميلة. نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا" رواه الحاكم في مستدركه عن البراء. فتجويد القرآن وتجميله بالصوت الحسن أمر محمود ومشروع ومرغب فيه ولكن لا إلى درجة الاقتصار من المستمعين على التلذذ بالصوت الحسن وترك ما هو أهم وهو التمتع بتدبر القرآن، وتتبع آياته وتفهم معانيه وأحكامه ومواعظه. اللهم بجلالك ونور وجهك، نور بكتابك بصائرنا وأبصارنا، واشرح به صدورنا، وأنطق بتلاوته ألسنتنا، وفرج به عن قلوبنا، واغسل به ذنوبنا، وطهر به نفوسنا وأبداننا، يا ربنا يا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم الخ... ثم الدعاء بالنصر والتمكين والعزة والمهابة لأمير المؤمنين، وبالحفظ والصلاح لولي عهده سمو الأمير مولاي الحسن، وبشد أزره بصنوه السعيد المولى الرشيد، ثم الدعاء للأمة ولكافة المسلمين، وبالمغفرة للوالدين والمشايخ ولجميع المستمعين، وجميع المسلمات والمسلمين، والمؤمنات والمؤمنين.
البشير المحمودي، بمراكش