المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوطنية في الإسلام


المربي
02-05- 2010, 06:00 AM
الوطنية في الإسلام
الحمد لله جعلت الفردوس لعبادك المؤمنين نُزُلا؛ فلك الحمد أولا وآخر وظاهرًا وباطنًا، الحمد لله الذي يسَّرها لنا، ويسَّر الأعمال الصالحة لنا؛ فلم يتخذ السالكون إلى الله سواها شغلا وسهل لهم سبلها، فلم يسلكوا سواها سبلا، خلقها قبل أن يخلقهم، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم، وحفَّها بالمكاره ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وأودعها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفوق ذلك، ((خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً)) (الكهف:108).
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، شهادة أدَّخرها لي ولكم إلى يوم المصير، شهادة عبده وابن عبده وابن أَمَتِه، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته وفضله ومنِّه وكرمه، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بمنِّه وكرمه ورحمته، أشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، شرح الله به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا :
قدْ كانَ هذا الكونُ قبلَ وُصولِهِ *** شُؤْمًـا لظالِمِـهِ وللمظـلومِ
لمَّا أَطَـلَّ محمدٌ زَكَـتِ الرُّبا *** واخضرَّ في البُسْتانِ كلُّ هشيمِ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد…
أيها المسلمون : لقد ُفطر الإنسان على أمور عديدة من تلك الأمور :
أن يحب المرء ماله ، وولده ، وأقاربه ، وأصدقائه ، ومن هذه الأمور كذلك هو حب الإنسان لموطنه الذي عاش فيه ترعرع في أكنافه ، وهذا الأمر يجده كل إنسان في نفسه .
فحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس، تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه، ويحن إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا ُهوجم، ويغضب له إذا انتُقص.
ومهما اضطر الإنسان إلى ترك وطنه فإن حنين الرجوع إليه يبقى معلقاً في ذاكرته لا يفارقه، ولذا يقول الأصمعي: ( قالت الهند : ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات، الإبل تحن إلى أوطانها ، وإن كان عهدها بها بعيداً ، والطير إلى وكره، وإن كان موضعه مجدباً ، والإنسان إلى وطنه ، وإن كان غيره أكثر نفعاً ) .
وهذا الأمر – وهو حب الإنسان لوطنه – غريزة في بني الإنسان وجدها أفضل الخلق صلوات ربي وسلامه عليه: فقد أخرج الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمكة : (( ما أطيبكِ من بلد، وما أحبكِ إلي، ولو لا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيركِ )) .[1]
فهو- صلى الله عليه وسلم- يحب مكة حباً شديداً كره الخروج منها لغير سبب، ثم لما هاجر إلى المدينة، واستوطن بها أحبها وألفها كما أحب مكة، بل كان - صلى الله عليه وسلم- يدعو أن يرزقه الله حبها كما في صحيح البخاري ( اللهم حبب إلينا المدينة ، كحبنا مكة ، أو أشد ) [2].
ودعا عليه الصلاة والسلام بالبركة فيها، وفي بركة رزقها كما دعا إبراهيم لمكة، ونلاحظ أن حب النبي- صلى الله عليه وسلم- متأثراً بالبيئة التي عاش فيها، فقد كان يحب مكة، ويحن إليها ثم لما عاش صلى الله عليه وسلم في المدينة ، وألفها : أصبح يدعو الله أن يرزقه حباً لها يفوق حبه لمكة .
وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة لغزوة أو نحوها تحركت نفسه إليها : فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة ، أوضع ناقته ــ أي أسرع بها ــ وإذا كانت دابة حركها )) رواه البخاري [3]، قال أبو عبد الله[4] : زاد الحارث بن عمير عن حميد ( حركها من حبها ) .
قال ابن حجر في الفتح:[5] والعيني في عمدة القارئ [6]، والمبارك فوري في تحفة الأحوذي [7]( فيه دلالة على فضل المدينة ، وعلى مشروعية حب الوطن ، والحنين إليه ) .
وفي صحيح البخاري : لما أخبر ورقة بن نوفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قومه – وهم قريش – مخرجوه من مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أو مخرجي هم) . قال: ( نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي )) [8].
قال السهيلي- رحمه الله - : ( يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لحب الوطن وإلفه فقال أو مخرجي هم ) [9].
أيها الأحبة: إن الحديث عن الوطن والحنين إليه وحب الوطن يذكر المؤمن بالله – تبارك وتعالى – بالوطن الأول ألا وهو الجنة.. نعم ذلك هو موطننا الأصلي الذي غفل عنه معظم الناس ( وما أكثُر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) .
قال الفضيل بن عياض – رحمه الله -: ( المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه التزود بما ينفعه عند العود ، فمن حين خلق الله آدم عليه السلام و ُأسكن هو وزوجته الجنة ثم أُهبط منها ُووعد بالرجوع إليها وصالحوا ذريتهما فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه الأول وحب الوطن من الإيمان ) [10].
قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية :
فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم[11].
وقال أبو تمام :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزلِ
وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ،ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ) .
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: ( إن الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفناء وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الُرحلة بأحسن ما بحضرتكم من الُنقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنا : فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه الأول) .
أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين ) [12].
ولهذا كان المؤمن غريبا في هذه الدار أينما حل منها فهو في دار غربة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )) [13].
واعلم – أيها المؤمن – أن هذه الغربة سرعان ما تنقضي وتصير إلى وطنك ومنزلك الأول.
وإنما الغربة التي لا يرجى انقطاعها هي الغربة في دار الهوان.
حينما يسحب المرء على وجهه إلى جهنم – والعياذ بالله – فيكون بذلك قد فارق وطنه الذي كان قد هيئ وأُعد له ، وأُمر بالتجهيز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا الاغترار عنه ومفارقته له، فتلك غربة لا يرجى إيابها، ولا يجبر مصابها .
فأعظم حنين ينبغي أن يكون إلى وطننا الأول سكن الأبوين، ودار الخلد والنعيم.
قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة)) [14].
وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم- واصفا الجنة: (( لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران ، من يدخلها ينعم لا يبأس ، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه )) [15].
وفي الصحيحين: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (( أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك )) [16].
وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( في الجنة خيمةٌ من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن ))[17].
وفي الصحيحين قال رسول- صلى الله عليه وسلم-: (( إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ))[18].
وعند الترمذي – في باب صفة الجنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب)) .
وعند أحمد في مسنده قال رجل: يا رسول الله ما طوبى ؟ قال: (( شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها)).
وقال رسول- صلى الله عليه وسلم- قال: (( ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأُ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقامٍ أبداً ، في دارٍ سليمةٍ، وفاكهةٍ وخضرةٍ وحبرة ونعمةٍ، في محلة عاليةٍ بهية ))[19]
عباد الله: يقول ربنا – تبارك وتعالى – واصفاً لنا حقيقة الدنيا وحقارتها ودناءتها: حتى نستعد لها ونتأهب لدار القرار – جعلنا الله وإياكم وسائر المسلمين من أهلها – اللهم آمين .
(( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )) (الأنعام: 32).
وقال تعالى: ((إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ)) (محمد: 36) .
وقال سبحانه وتعالى: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)) (الحديد: 2) .
وعند البخاري أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: (( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها))[20].
فحي على جنات عدن فإنـها *** منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها *** وحي على عيش بها ليس يسأم
أيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى*** صريع الأماني عما قليل ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده*** سوى جنة أو حر نار تبرم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى *** كذاك علا فيه المهيمن يختم

الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً كما أمر، وأشكره على نعمه وآلائه فقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد ألا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك لـه على الرغم ممن نافق وجحد وكفر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الشافع المشفع في المحشر ، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه السادة الغرر، ما اتصلت عين بنظر وأذن بخبر، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين وخلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن بقية العشرة، وعن أصحاب بدر وأصحاب الشجرة، وعن عمي نبيك خير الناس حمزة والعباس وعن سبطي نبيك وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وعن أمهما البتول فاطمة بنت الرسول، وعنا معهم بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين ، أما بعد:
عباد الله : وإنه مما ينبغي الحديث عن الوطن والحنين إليه أن نحذر من أُناس وفئة من الذين يدعون حب الوطن، ويدندنون دائما حول الوطنية وحب الوطن وضرورة الانتماء إليه، وهم أضر الناس على الوطن وأهله ، يريدون لنا الفساد والوقوع في شباك الفاحشة والرذيلة، ويهدفون إلى أمور منها :
** تقليص المواد الشرعية، وتقليل نصابها في الحياة الدراسية التعليمية
** منع تدريس النصوص التي تذكر أبناء المسلمين بعداوة اليهود والنصارى للإسلام وأهله، وطمس عقيدة الولاء البراء في المناهج التعليمية .
** يسعون جادين إلى الاختلاط في التعليم بين الرجال والنساء 0
** محاربة الحجاب وفرض السفور والاختلاط في المدارس والجامعات والمصالح والهيئات، ويسعون جادين لموضوع قيادة المرأة للسيارة ، ودائما ما تجدهم يرددون: حقوق المرأة ، المرأة إنسانة ونحو هذه العبارات .
فهل من الوطنية الحقيقية والانتماء الجاد للوطن حبّ إشاعة الفاحشة في مجتمعات المسلمين: بدعوى الترفيه، والتنشيط السياحي، وعبر بوابة الاحتفالات الموسمية، والفعاليات العائلية ؟ ! .
وهل من الوطنية إغراق المجتمعات بطوفان من الفضائيات المخلة بالآداب والحشمة والعفة، والتي لم تجلب للأمة إلا العار والدمار؟ ! .
وهل من الوطنية إغراق الأوطان الإسلامية بملايين السياح الأجانب من ذوي العقائد الوثنية أو اللادينية، فضلاً عن اليهود والنصارى فيتصدّع جدار الولاء والبراء، وتُلتقط الصور التذكارية الجماعية لمسلمين وكفار!! .
فهؤلاء أساءوا في إدراك الكيفية الحقيقية لحب الوطن، فجعلوها ألحاناً وترانيم، وطقوساً وشعارات لا تمت إلى الوطنية الصحيحة بصلة، فنشأت أجيالٌ هزيلةٌ في ولاءاتها، ساذجة في مخزونها الفكري بل والعاطفي!! .
فالحب الحقيقي للوطن هو الذي يُقدس العقيدة ويرسخها في الأجيال ، فينشأ عنها حب الوطن لإيمان أهله وإسلامهم، وخلو أرضهم من مظاهر الشرك والبدعة .
إنّ الحبّ الحقيقي للوطن لا يمت إلى هذه المظاهر بصلة، بل يتبرأ منها أشدّ البراء وأكدها .
إذ أننا لا نفهم الوطنية الحقّة إلا عقيدة راسخة ، ومجتمعاً موحّدًا، وشعباً عفيفاً وقيادة راشدة .
ولا نفهم الأمن إلا أمن التوحيد والإيمان، وأمن الأخلاق والشرف، وأمن المال والعرض والدم .
قال الرب – تبارك وتعالى-: (( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)) (الأنعام:82).
أيها المسلمون: إنَّ الحب الحقيقي للوطن يتجلى في أمور منها:
1 - الحرص الأكيد، والعمل الجاد في نشر العقيدة الصحيحة لتعم أرجاء الوطن؛ كي يتمتع المواطنون بالإيمان الحقيقي بالله تعالى، ويصدقون في حُبه والاعتماد عليه وحده دون غيره، حتى إذا ما حاولت قوة في الأرض الاعتداء على دينهم وعقيدتهم أو استباحة أرضهم وأموالهم إذا بهم ينتفضون انتفاضة الأسد دفاعاً عن الدين والعقيدة، وذباً عن الأعراض والأوطان، معتمدين على الله تعالى دون غيره، موقنين بأن قوته الباهرة كفيلة بهزيمة أي عدو غاشم ، وعقر كل جواَّظ غليظ ، وقهر كل صائل أثيم !! .
2 -القضاء المحكم على أسباب الشر والرذيلة، وعوامل الخلاعة والميوعة التي تغرق المجتمع في أوحال الفساد والخنا، فتنشأ الأجيال الشهوانية العابدة لملذاتها ومتعها الرخيصة بحيث يتعذر عليها القيام بأدنى دور ذي بال يحفظ لها كرامتها وشرفها عند تعرضها للامتهان على يد عدو متربص وصائل حاقد .
إذ أن تجفيف منابع الفساد والفتنة هو الكفيل بصنع الرجال الحقيقيين المحبين لربهم ودينهم، المدافعين عن وطنهم المؤمن الموحد، بصدق وعزيمة.
3 – التواصل الحقيقي بين الأفراد والجماعات وإزالة أسباب التفرقة والخلاف بين أفراد المجتمع، وقيام روح النصيحة والتعاون والتكاتف في وجه التيارات القادمة.
4- الانتظام التام في المحافظة على الآداب الشرعية، والنظم العادلة المرعية التي تسعى إلى جمع الكلمة بين الراعي والرعية سمعاً وطاعة بالمعروف وأداء للحقوق والواجبات كل فيما له وعليه .
5- وتتجلى المواطنة الصادقة في رعاية الحقوق واجتناب الظلم، وبخص الحقوق واحترام حق الغير، والسعي الجاد من كل مواطن مسؤول أو غير مسؤول لتأمين الآخرين على أموالهم وأنفسهم، ولا خير في وطنية تقدس الأرض والتراب وتهين الإنسان، فالوطن حقاً هو الإنسان الذي كرمه الله بالإنسانية وشرفه بالملة المحمدية .
6- وتتجلى كذلك في أداء الحقوق، بدأ من حق الوالدين والأرحام وانتهاء بحقوق الجيران والأصحاب والمارة، وكذلك الاستخدام الأمثل للحقوق والمرافق العامة التي يشترك في منافعها كل مواطن وأي مواطنة، تلك التي تكرس المحسوبيات، وتستغل النفوذ، وتتساهل في المال العام وكأنه كلا مباح أو فرصة سانحة لا تؤجل .
عباد الله: ليس الشأن في الوطنية هو الاهتمام بقشورها ومظاهرها الخارجية من تقديس لصورة أو علم مع امتهان أصولها الراسخة .
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، ودمر اليهود والنصارى والشيوعيين، وكل من أعانهم وأيدهم، اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم، وخالف بين كلمتهم، واهزمهم وانصرنا عليهم، اللهم ولِ علينا خيارنا واكفنا شر أشرارنا، اللهم اجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، اللهم لا تجعل حب الدنيا في قلوب بعضنا دافعاً له إلى ارتكاب المنكرات.
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

[1] - أخرجه الترمذي في جامعه برقم : ( 3925 ) ، وقال عنه الترمذي : ( هذا حديث حسن غريب صحيح ) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ( 7089 ) .

[2] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم : ( 1790 ) .

[3] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 1708 ) . ومعنى : درجات المدينة أي : طرقها المرتفعة جمع درجة .

[4] - أي البخاري .

[5] - ج3 / 621 .( فتح الباري شرح صحيح البخاري ) .

[6] - ج10 / 135 . ( عمدة القاري شرح صحيح البخاري ) .

[7] - ج 9 / 283 .( تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ) .

[8] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 3 ) .

[9] - نقله عنه ابن حجر العسقلاني في شرحه للبخاري ج 12 / 359 .

[10] - نقله عنه ابن رجب الحنبلي في كتابه النفيس جامع العلوم والحكم ج 1 / 380 .

[11] - هذه مقطوعة من قصيدة ابن القيم الميمية ، وقد أشار إلى هذه الأبيات في كتابه إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان ج1 / 71 .

[12] - نقله عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ج 1 / 380 .

[13] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 6053 ) .

[14] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 6987 ) .

[15] - أخرجه الترمذي في جامعه برقم ( 2526 ) ، و أخرجه أحمد في مسنده برقم ( 8732 ) ، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع برقم( 3116)

[16] - أخرجه البخاري برقم ( 3164 ) ، ومسلم برقم ( 263 ) .

[17] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 4598 ) ، ومسلم برقم ( 2838 ) .

[18] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 3079 ) ، ومسلم برقم (

[19] - أخرجه ابن ماجه في سننه برقم ( 4332 ) ، وابن حبان في صحيحه برقم ( 7381 ) ،

[20] - أخرجه البخاري في صحيحه برقم ( 2643 ) .




د. محمد بن عبد الله الخضيري

rajawi
02-05- 2010, 02:29 PM
فالأمة المسلمة تتحمل دور الدعوة إلى الله، ودور حماية العبادة والمعتقد للناس جميعاً، وحماية الضعفاء من عسف الأقوياء، ودفع الظلم، وكفالة العدالة الاجتماعية، وتحقيق معنى الرحمة العامة.

إذاً فالوطن في الإسلام ليس وطن الأمصار والقوميات، إنه وطن الأمة الإسلامية الواحدة المتحدة روحياً وعقائدياً.
شكرا استادنا على الطرح الرائع