المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحن وكبار السن


المربي
17-10- 2010, 01:56 PM
نحن وكبار السن (http://www.islam-love.com/home/2009-07-26-15-32-21/2009-07-26-15-33-48/850-2010-09-20-14-11-18.html)
(http://www.islam-love.com/home/2009-07-26-15-32-21/2009-07-26-15-33-48/850-2010-09-20-14-11-18.html?tmpl=component&print=1&page=)
منبر الجمعة (http://www.islam-love.com/home/2009-07-26-15-32-21/2009-07-26-15-33-48.html) الكاتب الشيخ فواز الثبيتي

الحمد لله العلي القوي المتين، القاهر الظاهر المبين، لا يعزب عن سمعه أقل الأنين، ولا تخفى عن بصره حركات الجنين، ذل لكبريائه جبابرة السلاطين، وقدر كل شي وهو أحكم الحاكمين، أحمده سبحانه وأشكره وأصلي وأسلم على عبده ورسوله الأمين، الذي بعثه ربه رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعـــــــــد:-

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته.

أيها الإخوة المؤمنون:

يقول الله تعالي: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).
سبحان من خلق الخلق بقدرته، وصرفهم في هذا الوجود بعلمه وحكمته، وأسبع عليهم من نعمائه وفضله وواسع رحمته، خلق الإنسان ضعيفاً خفيفاً ثم أمده بالصحة والعافية؛ فصار بعد الطفولة شاباً قوياً بعد أن كان ضعيفاً. وقوة الشباب التي يعيشها الإنسان ،فيها أجمل الذكريات وأحلى الأيام، ثم تمر السنين والأعوام، وتتلاحق الأيام تلو الأيام، حتى يعود إلى المشيب والكبر " ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً " يقف عند آخر هذه الحياة فينظر إليها وكأنها نسج من الخيال أو ضرب من الأحلام، يقف في آخر سني عمره وقد ضعف بدنه ورق عظمه فأصبحت آلامه متعددة ضعف البدن، وثقل السمع، وتهاوت القوى، وتجعد الجلد وابيض الشعر، يمشي بثلاث بدل اثنتين أو على أربع أو لا يستطيع المشي.
هكذا عباد الله يكون حال الإنسان إذا تقدم به العمر "ومنكم من يرد إلى أرذل العمر" وهذه المرحلة من مراحل السن هي سنة الله في خلقه ولم يسلم منها حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ألم تسمعوا عن زكريا عليه السلام الذي نادى ربه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً}.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله؛ فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم). صححه الألباني.

معاشر المسلمين:-

حديثنا اليوم عن الكبير الذي رق عظمه وكبر سنه وخارت قواه وشاب رأسه إنه الكبير الذي نظر الله إلى ضعفه وقلة حيلته فرحمه وعفا عنه{ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)} نقف اليوم مع الكبير الذي خفف الله عليه في الصلاة والصيام والحج والجهاد، الكبير الذي عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله في المعركة ولو كان كافراً فقال: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا امرأة ...... الحديث" ضعفه الألباني؛ فأي رحمة بالكبار أعظم من رحمة الإسلام بهم .

عباد الله :-

نقف اليوم مع الكبير الذي ضاعت عند بعض الناس حقوقه، وضيعت وامتهنت مشاعره وأحاسيسه، وجرحت كرامته، وكثرت وعظمت همومه وغمومه وآلامه وأحزانه.
نقف اليوم مع الكبير الذي يرى بعض مثقفي زماننا من المستغربين المتفرنجين الذين عشش في أذهانهم عادات وتقاليد وأفكار الغرب الدخيلة ، يرون أن الكبير عالة على المجتمع لا يستحق أن نشغل أنفسنا به وبقضاياه.
نقف مع كبير السن الذي هو نور وبركة في مجتمعنا الكبير، الذي ربما يهدد من ابنه العاق بدخول دار إيواء المسنين، ليس في دول الغرب وإنما في بلاد المسلمين، وانتشار دور إيواء المسنين، وإن كانت في بلادنا لا تتجاوز تسع دور؛ إلا إن وجودها ظاهرة مخيفة وغربية على مجتمع يدين الإسلام ويعرف حقوق الكبار منه. إنها ظاهره قدمت إلينا بكل ما فيها من قسوة ووحشية من الغرب الذي تدمر عنده معظم معاني الحب والعطف والرحمة والصلة والقربى؛ تنذر بعقوبة ربانية إن لم نتداركها ونقف أمامها سداً منيعاً.
إنها ليست بدور إيواء للمسنين، ولكنها في الحقيقة مقابر للأحياء المسنين ومن قدر له منكم مشاهدة مثل هذه الدور فإنه سيري ويسمع ما يندى له الجبين، من صور حية لآباء وأمهات عانوا الجحود من أبناء وبنات عاقين وعاقات، ومهما كان فليس من السهل أبداً تصور أن يقدم ابن على التخلص من أمه التي تعاني أمراضاً نفسية، أو والده الهرم بتركه أمام دار لرعاية المسنين متنصلاً من كل واجبات الرعاية، وناسياً كل الحقوق التي عليه تجاه أبيه أو أمه.

عباد الله: معاشر الشباب:-

اعلموا أن لكبار السن في الإسلام حقوقاً عظيمة لا يجوز التفريط فيها أو التخلي عنها، منها:

أولا:- برهم والإحسان إليهم، وخاصة إذا كانوا من الآباء أو الأمهات ]إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً $ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً[

فتوقير الكبير وتقديره واحترامه أدب من آداب الإسلام، وسنة من سنن سيد الأنام عليه من الله أفضل صلاة وأزكى سلام، وهي سنة الأنبياء قبله؛ فها هما البنتان الصالحتان البارتان ترعيان الغنم عن أبيهما الكبير قالتا:" لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير- فما كان من موسي إلا أن- سقى لهما ثم تولي إلى الظل" فأكرموا كبار السن ووقروهم؛ فإن الله يحب ذلك ويثني عليه كثيراً ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) وحسنه الألباني.

وعقوق الآباء والأمهات وخاصة كبار السن منهم عقوبته معجلة؛ فبمثل ما يصنع العاق بأبيه سيصنع به أبناؤه ؛ فهذا شاب أدخل والده إحدى دور إيواء المسنين، وما هما إلا شهران ويصاب هذا الابن المتزوج بحادث سيارة تسبب في شلل جسمه، مما دفع بأولاده أن يلحقوه بوالده الذي هو جدهم وفي الدار نفسها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ملعون من عق والديه". صححه الألباني لغيره.
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ".رواه مسلم .

فالواجب التواضع والبر والإحسان والتذلل للوالدين، وخاصة في مرحلة كبر سنهما، ففيه فضل عظيم، كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم لمعاوية ابن جاهمة: "الزم رجلها - يعني والدته- فثم الجنة" وخص الرجل دون يدها أو رأسهما دلالة على التواضع وخفض الجناح لهما.
كان زين العابدين – من سادات التابعين – كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فماذا قال؟
قال: لا آكل معها في صحفة، أخاف أن تسبق يدي لما سبقت إليه عينها من الطعام فأكون قد عققتها.

وقصص السلف في برهم لآبائهم وأمهاتهم لا تكاد تحصر، وما ذاك إلا لعلمهم بفضائل الإحسان للوالدين، وأنه سبب في استجابة الدعاء عند الله عز وجل، وأنه مكفر للذنوب والخطايا، وأنه من أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأن برهما من أسباب البركة وزيادة الرزق، وهو سبب في حصول البر من الأولاد؛ فمن بر والديه بره أبناؤه، ومن عقهما عقه أبناؤه " فالجزاء من جنس العمل" ولا يظلم ربك أحداً.

أيها الإخوة في الله :-

إن صور بر الوالدين وكبار السن خاصة كثيرة؛ فمن ذلك: مناداتهم بأحب الأسماء إليهما، وعدم ندائهم بأسمائهم المجردة، والتلطف معهم في الكلام، وعدم رفع الصوت عليهم، وتقبيل اليد والرأس، وطاعتهم في غير معصية الله، وإدخال السرور عليهم، وعدم إحزانهم، وعدم التقدم عليهم عموماً في الكلام أو الطعام أو المشي إلا لحاجة، والدعاء لهم، والتوسيع لهم في المجلس، تلبية ندائهم دون تأخر، ومن برهم والإحسان إليهم أن من تقدم به السن من الوالدين ولم يؤد فرضه من الحج مثلاً، فعلى الأبناء أن يقضوا عنه.
فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة؛ أفأ حج عنه؟ قال:" نعم " رواه البخاري.
فهذه البنت البارة تحمل هم والدها الذي لم يحج.

وكذلك الأمر في إعانة المريض منهما على طهور وصلاته وعبادته؛ فإنه من أعظم البر والإحسان؛ فقد يعجز الوالد عن قضاء حاجته أو عن وضوئه؛ فمن البر القيام له بذلك. ها هو عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: ومرض أبي وكنت أمرضه إذا اعتل؛ فأخذ بيده ذات يوم ، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكأ علي وهو في قضاء الحاجة !

وقال ابنه: وكنت أنام إلى جنبه - قريباً منه - فإذا أراد حاجة حركني فأناوله، ولم يزل أبي يصلي قائماً- وانظروا إلى البر- يصلي قائماً وأنا أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه وأمسكه في سجوده وقيامه!

وأدخلت الطست تحته ليبول؛ فرأيت بوله دماً عبيطاً ليس فيه بول؛ فقلت للطبيب! فقال: هذا رجل قد فتت الحزن جوفه، ووضأته فقال لي: خلل الأصابع . وانظر إلى حرص الإمام أحمد على السنة حتى في تخليل الأصابع وهو في هذا الوضع في أشد مرضه!!!
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
ومن حقوق كبير السن أن يقدم في المجلس وفي الكلام ونحوه؛ لما جاء عبد الرحمن بن سهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه من هو أكبر منه حويصة ومحيصة، ذهب عبد الرحمن يتكلم ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كبر كبر" - أي ليتكلم الأكبر- وكان عبد الرحمن أحدث القوم سناً ؛ فتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود رضي الله عن الجميع. وفي الصحيحين عن أبي سعيد بن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: لقد كنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فكنت أحفظ فما يمنعني من القول (يعني الكلام) إلا أن هناك رجالاً هم أسن مني! ومن احترام الكبير أنه يبدأ بالسلام، توقيراً وإجلالاً له، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن البركة مع الكبار فقال: "البركة مع أكابركم" صححه الألباني.

وهذا هو هدي الصحابة والتابعين يجلون الكبير ويجلسون إليه؛ فلديه من الخبرة والعقل ما يفوق به غيره ممن هو أصغر منه؛ فقد مرت بهم تجارب في الحياة كثيرة وعديدة لا يمكن الاستغناء عنها؛ فكبار السن تؤخذ منهم الخبرة بالمجان عن الحياة وظروفها بحلوها ومرها وشرها؛ فهم في المجتمع المسلم بركة وخير، وهم سبب للرزق والنصر؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبغوني ضعفاءكم؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، بدعائهم وصلاحهم". حديث صحيح.

وقال: "لا تنتفوا الشيب؛ ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً يوم القيامة" صححه الألباني .
فالشيب في طاعة الله عنوان محبة الله لعبده، وهو باب أجر وفضل عند الله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة" حسنه الألباني.

لذا لا يجوز نتف الشيب، ولا يجوز تغييره بالسواد، ويجوز بالحناء ونحوه؛ لقول النبي صلى الله عليه سلم: "غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد" ، وقال:" الشيب نور المؤمن". حسنه الألباني.

أيها الناس :-

هذه هي نظرة الإسلام لمن شاب وهو مسلم مطيع لله تعالي أجر وفضل وبركة ونور؛ لذلك يقبح من كبير السن ومن غزى الشيب لحيته ورأسه أن يشتهر عنه الخطأ والذنب - وهو أقبح ما يكون – ولذا توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بوعيد شديد فقال: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ " رواه مسلم ، وفي رواية : " أشيمط زان " لأنه لم يردعه كبره ولا شيبته عن مقارفة المنكرات.
ألا فليتق الله كبار السن، وليعظموا السن الذي هم فيه، وليحذروا الذنوب والمعاصي؛ فإنها بهم لا تليق ووزرها عليهم ثقيل.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية :

الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. وبعد:
فقد سئل بعض السلف من أسعد الناس؟ قال: أسعد الناس من ختم الله له بخير.
أسعد الناس من حسنت خاتمته، وجاءت على الخير قيامته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيبا لرجل سأله : أي الناس خير؟ قال:" من طال عمره وحسن عمله ". قال : فأي الناس شر ؟ قال : "من طال عمره وساء عمله" .

فيا ابن آدم إذا رق عظمك، وشاب شعرك؛ فقد أتاك النذير" أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير" قال بعض العلماء: وهن العظام، والشيب في الشعر والرأس .
إنه تذكرة من الله جل جلاله، وتنبيه من الله سبحانه؛ رحمة بعباده فربما غفلوا وكانوا عن طاعته بعيد ين؛ فرحمهم الله بهذا النذير حتى يحسن خاتمتهم.
كان السلف الصالح رحمة الله عليهم إذا بلغ الرجل أربعين سنة لزم المساجد وسأل الله العفو عما سلف{.. حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)}.

كانوا إذا بلغوا أربعين عاماً لزموا بيوت الله، وأكثروا من ذكر الله، وأحسنوا القدوم على الله؛ روى البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: " قَالَ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً " فليس له عند الله بعد هذا العمر إن فرط وضيع من عذر.

يا معاشر الكبار:-

أنتم كبار في قلوبنا، وكبار في نفوسنا، وكبار في عيوننا؛ بعظيم حسناتكم وفضلكم؛ فأنتم الذين علمتم وربيتم، وأنتم الذين أدبتم وبنيتم، ولإن نسي البعض فضلكم فإن الله لا ينسى، ولإن جحد البعض معروفكم فإن المعروف لا يبلى، ولإن طال العهد على ما قدمتوه من خير وتضحيات فإن الخير يدوم ويبقى ثم إلي ربكم المنتهى وعنده الجزاء الأوفى؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً).

يا معاشر الكبار:

أما الآلام والأسقام التي تجدونها فالملائكة قد كتبت حسناتها والله عظم أجورها وستجدونها بين يدي الله؛ فالله أعلم كم كان لهذه الأسقام والآلام من حسنات ودرجات اليوم تزعجكم وتقلقكم وتبكيكم وتقض مضاجعكم ولكنها غداً بين يدي الله تفرحكم وتضحككم؛ فاصبروا على البلاء واحتسبوا عند الله جزيل الأجر والثناء؛ فإن الله لا يمنع عبده المؤمن حسن العطاء، قال صلى الله عليه وسلم" عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ".

فأنيبوا إلى الحليم الغفار؛ فمن تقرب منه شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة ، قال بعض كبار السن: اللهم أحسن لي الخاتمة؛ فمات بين الركن والمقام عند بيت الله الحرام ، وقال ثان: اللهم أحسن لي الختام ؛ فمات وهو ساجد بين يدي الله عز وجل ، وقال ثالث: اللهم إني أسألك حسن الخاتمة؛ فمات يوم الخميس وهو صائم.
فمن عاش على شي مات عليه وإنما الأعمال بالخواتيم أحسن الله لناولكم الختام وأسكننا دار السلام تحيتهم يوم يلقونه سلام.

أيها الشباب، أيها الإخوة المؤمنون:

لنقم جميعاً بحق كبارنا علينا لننال رضى ربنا ، لنقم بحق كبارنا ليقوم بحقنا أبناؤنا ، لنقم بحق كبارنا لنرد الجميل ، لنقم بحق كبارنا لنرسم بترابطنا وتراحمنا لوحة مشرقة في ليل حالك السواد تمزقت فيه أواصر المحبة والشفقة والمودة بين أفراد الأسرة الواحدة بين كبارها وصغارها في كثير من المجتمعات.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات........

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك.

اللهم اجعل أسعد اللحظات.

الكاتب : الشيخ فواز الثبيتي . إمام وخطيب جامع الأمير أحمد بمدينة الطائف