المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دليل الإمام والخطيب والواعظ الجزء 1


المربي
24-12- 2010, 08:27 PM
ضمن كتاب «دليل الإمام والخطيب والواعظ»، أوردت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، العشرات من المواد والبنود، ومن المهام والمسؤوليات نجد:

* إصلاح ذات البين بين الأفراد والجماعات دون تحيز إذا طلب منه ذلك.
* المساعدة على الأعمال المرتبطة بالجنائز من غسل وصلاة ودفن.
* السهر على حرمة المسجد وآدابه، والحفاظ على النظام فيه وحمايته من كل نشاط خارج الإطار الديني والمذهبي المعتمد بالمملكة المغربية.
كما يلتزم الإمام في إطار مهامه بعدد من الضوابط من بينها:
* الحرص على وحدة الأمة؛
* الدعوة بالحكمة والتأني والتدرج في الإصلاح؛
* اجتناب المضايق المثيرة للخلاف وما يثير نوازع الفتنة بين المسلمين؛
* التحلي بسعة الأفق في مسائل الخلاف اجتنابا للجمود والانغلاق؛
* عدم الإدلاء لوسائل الإعلام، بصفته إماما أو خطيبا في مسجد من مساجد المملكة، بآراء شخصية في القضايا الدينية أو القضايا السياسية؛
* تجنب التحيز، فالقيم الديني مواطن قبل كل شيء، له سائر حقوق المواطنة، ولكن اختياره للوظيفة الدينية لا يتناسب مع الظهور أمام الناس بنشاطه في هيئة منحازة بالضـرورة لا يتفق عليها كل المأمومين؛
* عدم الخوض في الأمور السياسية التي تختلف فيها اجتهادات جماعة المسجد، والحرص على التأليف بين قلوب جميع الناس، ومعاملة الكل معاملة حسنة؛
* ربط علاقات جيدة مع المحسنين وأعضاء جمعيات المساجد مع الاحترام التام للتوجيهات التي تضمنها هذا الدليل.
* زرع النظرة الإيجابية إلى ما يجري في الوطن والعالم بدل الجنوح إلى العدمية، وذلك بفتح باب الأمل للناس وعدم اعتماد خطاب التيئيس؛
* الالتزام بمنهج الوسطية والحياد في تناول مواضيع الخطبة؛
* السعي إلى زرع معاني الرحمة والشكر والأمل في الله في نفوس الناس؛
* التيسير في الدين وتحبيب الإيمان؛
* عدم الإطالة في الخطبة بحيث لا تتجاوز عشرين دقيقة؛
* تفضيل لغة الخشوع المؤثر في القلوب؛
* بناء الخطبة على ما لا يناقض العقول.
* التركيز على الإيجابيات في الحياة وتجنب التيئيس والتهويل والإثارة؛
* اختيار موضوع خطبة الجمعة من بين الموضوعات المرتبطة بقضايا الناس واهتماماتهم الدينية والدنيوية، والابتعاد عما يثير الخلاف و الفتنة بين الناس؛
* تجنب الدخول في المعارك الشخصية و السياسية والإعلامية في الخطبة؛
* تجنب إعلان الفتوى من فوق المنابر؛
* تجنب التسرع في إصدار الأحكام أو إطلاقها دون استثناء أو تمييز؛
* تجنب الاستشهاد بالحديث الموضوع أو الضعيف؛
* عدم الاعتماد على الشائعات والأقوال التي ليس لها مصدر موثوق به؛
* تحاشي المبالغات المذمومة وكل ما لا سند له من النقـل أو العقل؛
* تجنب التعريض بأعلام الأمة أو الأشخاص أو الطوائـف أو الملل أو الهيئات أو الدول بالأسماء والصفات؛
* عدم الدعاء على أهل الأديان الأخرى أو المس بمعتقداتهم.
كما ينص الدليل على التزام الأئمة بعد الصلاة بما يلي:
* الدعاء لمن جرى عمل المغاربة على الدعاء لهم وعلى رأسهم أمير المؤمنين، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جهرا وجماعة؛
* قراءة حزب من القرآن الكريم قراءة جماعية جهرية يوميا بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب، برواية ورش مع المحافظة على الصيغ الصوتية المحلية، ومراعاة ترتيب الأحزاب وفق الشهور العربية بالتقويم الرسمي، تحث إشراف وتنظيم إمام المسجد.


منقول

وفيما يلي تعريف بهذا الدليل وعرض لمواده :

الدليل (http://www.habous.net/2012-01-27-14-38-38.html)

دليل الإمام والخطيب والواعظ (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-38.html)


أصدرت وزارة الأوقاف (http://habous.net/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9.h tml)والشؤون الإسلامية (http://www.habous.net/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D 8%A9.html) دليل الإمام والخطيب والواعظ الذي يتضمن عروضا تأصيلية وقواعد عملية؛ تتعلق بوظيفة الإمامة والخطابة والوعظ شكلا ومضمونا؛ وقد كتب بعض مادته عدد من العلماء؛ بينما كتبت بعض مواده الأخرى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ ثم راجعه المجلس العلمي الأعلى وصادق عليه ؛
وهو يهدف إلى:

صيانة وظائف المساجد (http://habous.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9.h tml) وحرمتها ؛
ضمان الطمأنينة اللازمة للمصلين ورواد المسجد؛
إرشاد الأئمة والخطباء والوعاظ إلى قواعد جامعة وموحدة يتحقق بها الهدفان السابقان؛
تعميق التواصل بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وبين الأئمة والخطباء والوعاظ والمرشدين، وسائر القيمين الدينيين، بما يخدم المصلحة العليا للأمة.
والهدف من كل ما ذكر حماية الوحدة العقدية والمذهبية والسلوكية الدينية للملكة المغربية.

أما موجبات وضع هذا الدليل فنجملها فيما يلي:


ضرورة وضع مرجع بين أيدي الأئمة والقيمين الدينيين، يذكر بالثوابت المغربية في الشأن الديني، ويوحد الاختيارات في جزئياتها، ويساعد على الالتزام بها؛
تطوير وظيفة الإمامة والخطابة والوعظ بالمملكة المغربية شكلا ومضمونا؛
تشجيع القيمين الدينيين على تعميق معارفهم وإتقان أدائهم ؛
تعميق فهم طبيعة الوظائف الشرعية بالمملكة المغربية، من حيث هي نيابة عن الأمة بكل مكوناتها، وأمانة متلقاة عن أمير المؤمنين؛
تعميق الشعور بجسامة مسؤولية هذه الوظائف دينا و دنيا؛
توحيد التصورات في مجال الوعظ والإرشاد على منهجية واحدة؛
الإسهام في التأطير المنهجي للائمة وللخطباء والوعاظ، وحثهم على التكوين الذاتي المستمر، وعلى متابعة المستجدات العلمية في إطار الثوابت المغربية ؛
تسهيل العمل بالمذهب المالكي بعرض منهجيته العامة عرضا مبسطا، مع بيان خلفيته الفكرية والثقافية والاجتماعية.

ومن أجل بلوغ تلك الغايات جاء هذا الدليل بما يلي:


وضع خلاصات عملية تساعد الأئمة والخطباء وسائر القيمين الدينيين على تمثل العقيدة الأشعرية، وفقه الإمام مالك، والتصوف كما تمثله المغاربة ؛
تقنين أحكام أساسية في مجال فقه العبادات، مما جرى به العمل في المغرب، وشكل خصوصيته الحضارية في هذا المجال، درءا للمفاسد، وتحقيقا للمصلحة، وجمعا للكلمة.

وقد كان الباعث على وضع هذا الدليل مراعاة الاعتبارات الآتية:


أمور المساجد من جملة المصالح العظمى التي تحتاج إلى تدبير ؛
تدبير شؤون المساجد يدخل ضمن التدبير العام لشؤون الدين ؛
التدبير العام لشؤون الدين مرجوع فيه إلى أمير المؤمنين جملة وتفصيلا ؛
الوزارة تصدر في ضبط إجراءات تدبير الدين عن توجيهات أمير المؤمنين؛
الأئمة هم المؤتمنون على تسيير المساجد، وعلى ما يجري فيها من أمور التوجيه، سواء في الصلوات أو الخطب أو دروس الوعظ والإرشاد؛
الإمام في المسجد نائب عن الأمة بما هو نائب عن أمير المؤمنين ؛

لذلك لا بد أن تكون التربية داخل المساجد منسجمة مع الاختيارات المذهبية والسياسية للأمة التي يجسد تدبيرها توجيه أمير المؤمنين، ولا يجوز أن تستعمل المساجد للخروج عن هذه الاختيارات أو معارضتها.
حفظ الخصوصية المغربية (http://www.habous.net/2012-01-27-14-38-19.html)

دليل الإمام وحفظ الخصوصية المغربية في الشأن الديني (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html)


بادرت وزارة الأوقاف (http://habous.net/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9.h tml)والشؤون الإسلامية (http://www.habous.net/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D 8%A9.html) إلى وضع دليل الإمام ليكون دليلا منهجيا رهن إشارة كل الفاعلين في المجال الديني بالمغرب، وذلك لتحقيق انسجام كلي، وتفاعل اندماجي، في مجال الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد ؛ خدمةً للمقاصد الدينية، والمصلحة الوطنية العليا للأمة.
ولا يتم ذلك إلا إذا كان هذا الدليل يحقق الخصوصية المغربية في الشأن الديني، ويُمَكِّنُ الأئمة والخطباء والوعاظ والمرشدين الدينيين من الاندماج في تلك الخصوصية، ويسهل عليهم إمكانية تَمَثُّلِ عناصرها وأهدافها بصورة عملية.
ويتحقق ذلك بمراعاة الضوابط المنهجية الأربعة الآتية:
الضابط المنهجي الأول: العقيدة الأشعرية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/888-2012-06-28-13-16-42.html)

استقبال (http://habous.gov.ma/) > حفظ الخصوصية المغربية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html) > الإمام (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html) > حفظ الخصوصية المغربية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.h tml)




العقيدة الأشعرية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/888-2012-06-28-13-16-42.html)


2012 قيل الكثير عن دواعي اختيار المغاربة للمذهب المالكي، لكن المؤكد أن رؤية أهل المغرب للمذهب المالكي كانت رؤية شمولية، استوعبت منه قضاياه العقدية على نحو ما استوعبت منه قضايا الفقه العملي.
وقد استهوى المغاربة من المذهب المالكي أنه ليس مذهبا فقهيا فقط، وإنما هو مذهب يبرز من نصوصه حرص مؤسسه على إبراز موقفه الصريح من كبرى القضايا العقدية، وهو ما حدد انتماء المذهب إلى تيار أهل السنة والجماعة.
لقد كتب شهاب الدين القرافي في كتاب الجامع من الذخيرة بحثا مطولا استعرض فيه مجمل اعتقاد مالك في الله وفي الأنبياء والصحابة، وفي التقليد في العقيدة، وفي البدع الفكرية. و علق القرافي على هذا المبحث فقال: "هذا الكتاب يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب"([1]).
وقد أدرك الفقهاء المالكية أهمية ربط المذهب الفقهي المالكي بالجانب العقدي تحصينا لعقيدة الناس أن يتسرب إليها من شبهات الطوائف الأخرى ما يفسدها. فصدروا بعض كتبهم بمباحث العقيدة على الرغم من أن العقيدة تنتمي إلى مجال معرفي آخر، هو مجال الأحكام الأصلية، ونجد لذلك أمثلة واضحة من مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، ومن مقدمة منظومة ابن عاشر، وكتاب الجامع من الذخيرة.
مثل التوجه العقدي للمذهب المالكي عنصر الممانعة والمقاومة الدائمة لكل الانحرافات الفكرية التي حاولت فرض نفسها بديلا عن التوجه السني، فاصطدم التيار العبيدي الشيعي في تونس بعقيدة المالكية التي كانت ترى أفضلية عائشة على سائر نساء بيت النبوة، وهي القضية التي دعاها القاضي عياض "قضية التفضيل"([2]).
وقد أفسد هذا المعتقد دعوى أحقية العبيديين بالخلافة لانتسابهم إلى فاطمة الزهراء، التي اعتبروها أفضل نساء بيت النبوة، واصطدم التيار العبيدي مرة أخرى في اعتقاد المالكية بعدالة الصحابة، فواجهوا برنامج العبيديين الذي قام على التحامل على الصحابة، بل وعلى سبهم على المنابر، باستثناء علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبي ذر([3]).
لقد أحبط موقف فقهاء المالكية مشروع العبيديين الذي كان يطمح إلى اكتساح شمال إفريقيا.
وإثر تطور البحث العقدي تفرغ رجال كثير من المذاهب للتخصص في قضايا العقيدة، فاختار المغاربة لأنفسهم مذهب الإمام الأشعري الذي أصبح بجهود مؤسسه وتلامذته مذهبا متكاملا يمتلك قدرة فائقة على التأسيس والإقناع والمناقشة، فتمكن من مصاولة الأطروحات المغرية التي تبناها مذهب الاعتزال، فتغلغل في الثقافة الإسلامية من خلال قدرة رجاله على السجال والنقاش والالتفاف على النصوص التي لا تخدم آراءهم.
لقد اختار المغاربة "مذهب الأشاعرة" لما لمسوه فيه من حفاظ على جوهر العقيدة، وحرص على درء التشبيه والتعطيل، ولما لمسوه فيه من وسطية تتجاوز القراءة الحرفية للنصوص، كما تتجاوز التأويل البعيد الذي يصادر دلالة النص من غير داع ملجئ إليه، وهكذا وقف الفكر الأشعري موقف العدل والاعتدال من كل القضايا التي بلغ التباين فيها حد التناقض.
فقد اختلفوا في قدم كلام الله، فقال بعضهم: إنه قديم حتى في أصواته ورسومه، و قالت المعتزلة: إنه مخلوق، لكن الأشعري توسط فميز بين الكلام النفسي الذي رآه قديما دون غيره.
واختلفوا في حرية العبد، فقالت الجبرية بانتفاء قدرة العبد، وجعلت نسبة الفعل مجازية، وقال المعتزلة بإثبات القدرة، لكن الأشعري قال بنظرية الكسب المثبت لفعل العبد، وخلق القدرة عند الكسب.
وقالت المشبهة برؤية الله بالأبصار في الآخرة، ونفتها المعتزلة، لكن الأشعري أثبت الرؤية ولكن من غير تحديد([4]).
لقد شكل المذهب الأشعري منظومة فكرية متكاملة، أسعفت جماهير الأمة الإسلامية بقدرة فائقة على الدفاع - الجامع بين النقل والعقل - عن جميع قضايا العقيدة، وتمكن المذهب الأشعري من وقف كثير من التيارات التي كانت تقدم نفسها للناس على أنها المتفردة بمخاطبة الفكر دون سواها.

[1]- الذخيرة 13/213.
[2]- ترتيب المدارك 5/118.
[3]- رياض النفوس للمالكي 2/45، ترتيب المدارك 4/376.

[4]- مذاهب الإسلاميين، د. عبد الرحمن بدوي 548-555-561.تيارات الفكر الإسلامي، د. محمد عمارة 168.


الضابط المنهجي الثاني: المذهب المالكي، ثقافة اجتماعية ونفسية. (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/887-2012-06-28-13-14-48.html)

المذهب المالكي ثقافة اجتماعية ونفسية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/887-2012-06-28-13-14-48.html)


ليس المذهب المالكي بالمغرب مجرد منهجية أصولية في الاستنباط والاستدلال الفقهي ؛ ولا هو مجموعة من الأحكام التي قال بها مالك بن أنس رضي الله عنه، ومضى عليها العلماء من بعدُ متبعين، ومُخَرِّجِين عليها، ومجددين؛ وإنما هو - فوق ذلك - إرث حضاري، وثقافة اجتماعية، وهوية دينية، وقدرة تأليفية على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي.
والواعظ أو المرشد الديني عندما يغفل ذلك ولا ينضبط به ؛ يصطدم حتما مع الخصوصية الحضارية للمجتمع المغربي التي تشكلت عبر تراكم تاريخي أصيل ومتين ؛ ويترتب عن ذلك فشل خطابه الديني، وتشكيل جيوب مرضية منغلقة تؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي المغربي. وهو ما يخالف مقاصد الشريعة في التآلف والتعاطف والتواد.
وبيان ذلك أن المذهب المالكي قد صار بالمغرب ثقافة اجتماعية، تشكلت أولا عبر التفاعل الفقهي في مجال التدين؛ مما أعطى خصوصية حضارية للأمة المغربية، بحيث أسهم إلى حد بعيد في تشكيل النفسية الاجتماعية في المجال الديني والاجتماعي العام للمواطن المغربي. بل إنك لتجد السلوك المذهبي المالكي الخاص بالمغاربة حاضرا حتى خارج المسجد، وفي غير المجال التعبدي الخاص! لقد صار عندهم طريقة حياة، ومنهج تفكير، وطبيعة عمرانية واجتماعية؛ وذلك بما تشكل في خلفية المواطن - بما هو مغربي - عبر التاريخ من تفاعلات، مرجعها أحكام المذهب وأصوله المنهجية التي رسمت له نوعا معينا من التفكير، ومنهجية محددة للحياة، في كل مجالاتها ؛ فامتد ذلك عبر الأجيال إلى أن شكل نفسية اجتماعية عامة، تقوم على التعاطف والتآلف والانسجام. وهذا واضح جدا عند تَبُّين طبيعة الأصول المنهجية التي وضعها مالك رحمه الله لمذهبه، والتي اعتمدها المغاربة منذ أمد بعيد، وطبقوها بما يناسب الطبيعة الاجتماعية والبيئية للمغرب؛ مما جعل للمذهب المالكي بالمغرب خصوصيةً امتاز بها حتى على المذهب المالكي بالمشرق؛ بله المذاهب الأخرى. وهذا من الأمور المعروفة لدى فقهاء المالكية قديما وحديثا. ومن ههنا يمكن أن نشير إلى الآثار النفسية والاجتماعية – دون الفقهية – لأهم أصول المذهب التي شكلت هذه الخصوصية، وذلك ما يمكننا أن نسميه بالأبعاد النفسية و الاجتماعية لأصول المذهب المالكي الخاصة
:الأبعاد النفسية والاجتماعية لأصول المذهب المالكي


عمل أهل المدينة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/933-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A3%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9.html)

عمل أهل المدينة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/933-26.html)


لقد كان عمل أهل المدينة بما هو أصل من أصول الاستدلال لدى مالك رحمه الله مميزا لمذهبيته على المستوى الفقهي، لكنه أحدث مع الزمن نوعا من الخصوصية النفسية والاجتماعية على المستوى الحضاري والعمراني. وذلك بأن شكَّل نسيجا اجتماعيا مطبوعا بحب الاستقرار والتآلف والاندماج؛ لأن الحكم الفقهي بما تواتر من عملٍ بين الناس واستمر؛ رسَّخ في الوجدان الديني الرغبة في السير على المعروف من الأحكام، وعدم الإغراب في الدين والتدين. وهذا المعنى هو الذي طوره المغاربة على المستوى المنهجي، فأحدثوا ما يسمى في الفقه المالكي - بالمغرب والأندلس - «ما جرى عليه العمل»، كالعمل الغرناطي، والعمل الفاسي، والعمل السوسي، وهلم جرا...
وهذا وإن لم تكن له علاقة بعمل أهل المدينة من الناحية الفقهية؛ فهو شديد الصلة به من الناحية المنهجية، ذلك أن آثارهما النفسية واحدة، هي القصد إلى حفظ العمل الذي استقر عليه الناس وانسجمت بسببه بيئتهم، وانبنت عليه علاقاتهم، مما يربي المواطن بعد ذلك على حفظ الاستقرار في كل شيء، ويرسخ لديه نفسية هادئة، ويبعده من ردود الفعل المتشنجة في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلخ...





قاعدة المصالح المرسلة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/935-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B3%D9%84%D8%A9.html)

قاعدة المصالح المرسلة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/935-2012-08-28-14-34-54.html)


وهي قاعدة مرجعية في الفقه المالكي، تحتكم إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فيما لا نص فيه ؛ عملا بمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. إلا أنها هي أيضا أسهمت في تشكيل ثقافة اجتماعية لدى الإنسان المغربي: وهي النـزوع إلى الصلاح والإصلاح على الصعيد العام، في تدبير الشؤون كلها، فيكون الاحتكام إليها في المبادرات، وعَقد الموازنات، وتحديد الأولويات؛ مما يعمق مفهوم المواطنة، ويطبع السلوك الديني إزاءها بالإيجابية والفعالية.
حتى لا تكون مدعاة للتلاعب بالأحكام والتنقل العابث بين المذاهب. ومن هنا فمالك يجيز للمسبوق في الصلاة، إذا أدرك الركوع مع الإمام، وخاف فوات الركعة،أن يجعل تكبيره للركوع نفس تكبيرة الإحرام، رغم أنه لا يجيز ذلك في الأوضاع العادية. كما أنه راعى خلاف أبي حنيفة في زواج المرأة بغير ولي؛ فأجاز عقد من وقع منها ذلك ولم يُستدرَك قبل الدخول؛ إذ الحكم بدليله الأول الذي يمنع نكاح المرأة بغير ولي معناه تشريد أسرة قائمة الآن! فهذا زواج قد وقع؛ فيعمل بدليل المخالف لدرء هذه المفسدة النازلة.
وذلك تفكير سديد حقا! فبغض النظر عن سياقه الفقهي، فقد صار له أثر كبير لدى المغاربة على المستوى السياسي والثقافي العام. وهو تربية المواطن على نفسية قبول المخالف، والتآلف معه والانسجام! ولهذا نجد المغرب، بحمد الله، من البلدان القلائل التي تميزت بتماسكها الاجتماعي، على كل المستويات السياسية والثقافية وغيرها. لأن المواطن المغربي قد تَكَوَّنَ تاريخيا على مثل تلك الممارسة التي (تراعي الخلاف)، فيضع في حسابه عند كل تصرف، وعند كل حكم ينطق به، في أي مجال ؛ كلَّ التوازنات، وكل الحساسيات، وكل الاتجاهات ؛ فيراعيها لدى اتخاذ القرار. وبهذا يكون الانسجام والاندماج فعلا. حتى صار ذلك شعورا لا إراديا، وتصرفا تلقائيا، في السلوك اليومي المغربي.


قاعدة مراعاة الخلاف (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/934-%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81.html)

استقبال (http://habous.gov.ma/) > حفظ الخصوصية المغربية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html) > الإمام (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html) > حفظ الخصوصية المغربية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.h tml)



قاعدة مراعاة الخلاف (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/934-27.html)


وهذه قاعدة ترجع عند مالك إلى العمل بدليل المخالف له، والخروج إلى مذهبه، بضوابط محددة على المستوى الأصولي، لا بما يمليه الهوى الشخصي، أو الرغبة في الترخص غير المنضبط بقواعد الشرع. وإنما غايتها رفع ضرر ما، بعد وقوع نازلة معينة، مما قد لا تكون قواعد المذهب وافية برفعه في خصوص تلك النازلة. ولهذا فإن أغلب فقهاء المذهب لا يرون إعمال قاعدة مراعاة الخلاف إلا فيما بعد وقوع النازلة لا قبله، حتى لا تكون مدعاة للتلاعب بالأحكام والتنقل العابث بين المذاهب. ومن هنا فمالك يجيز للمسبوق في الصلاة، إذا أدرك الركوع مع الإمام، وخاف فوات الركعة، أن يجعل تكبيره للركوع نفس تكبيرة الإحرام، رغم أنه لا يجيز ذلك في الأوضاع العادية. كما أنه راعى خلاف أبي حنيفة في زواج المرأة بغير ولي؛ فأجاز عقد من وقع منها ذلك ولم يُستدرَك قبل الدخول؛ إذ الحكم بدليله الأول الذي يمنع نكاح المرأة بغير ولي معناه تشريد أسرة قائمة الآن! فهذا زواج قد وقع؛ فيعمل بدليل المخالف لدرء هذه المفسدة النازلة.
وذلك تفكير سديد حقا! فبغض النظر عن سياقه الفقهي، فقد صار له أثر كبير لدى المغاربة على المستوى السياسي والثقافي العام. وهو تربية المواطن على نفسية قبول المخالف، والتآلف معه والانسجام! ولهذا نجد المغرب، بحمد الله، من البلدان القلائل التي تميزت بتماسكها الاجتماعي، على كل المستويات السياسية والثقافية وغيرها. لأن المواطن المغربي قد تَكَوَّنَ تاريخيا على مثل تلك الممارسة التي (تراعي الخلاف)، فيضع في حسابه عند كل تصرف، وعند كل حكم ينطق به، في أي مجال ؛ كلَّ التوازنات، وكل الحساسيات، وكل الاتجاهات ؛ فيراعيها لدى اتخاذ القرار. وبهذا يكون الانسجام والاندماج فعلا. حتى صار ذلك شعورا لا إراديا، وتصرفا تلقائيا، في السلوك اليومي المغربي.


عمل أهل المدينة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/933-%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A3%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9.html)



الضابط المنهجي الثالث: التصوف، تربية على المحبة. (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/886-2012-06-28-13-03-19.html)

التصوف تربية على المحبة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/886-2012-06-28-13-03-19.html)


يعتبر التصوف كما أرسى قواعده السلوكية شيوخ المغرب من أهم المميزات للخصوصيات المغربية في المجال الديني؛ وذلك لِمَا تراكم أيضا في هذا المجال من رصيد تربوي، أسهم - عبر التاريخ - بصورة فعالة جدا، في تشكيل الوجدان الديني المغربي، والسلوك الاجتماعي الوطني؛ بما لا يمكن محوه أو تغييره. وهذه حقيقة تاريخية راسخة!
وعدم اعتبار هذه الخصوصية من لدن الوعاظ والمرشدين؛ من شأنه أن يؤدي بخطابهم الإصلاحي إلى عكس مقاصده التربوية تماما!
وقد كان للتصوف كما تمثله شيوخ المغاربة - ولا يزال - الأثرُ البالغ في تمتين الروابط الروحية، بين جميع المكونات الثقافية والاجتماعية والقَبَلِيَّةِ للمجتمع المغربي، تحت لواء واحد، هو: لواء المحبة! إذِ المحبة هي غاية التربية الروحية، والسلوك الصوفي، وذلك بالسير بالمريد عبر "مقامات" التربية، و"أحوال" التزكية؛ حتى يصل إلى تحقيق خُلَّةِ "المحبة" في نفسه؛ خُلُقاً تعبديا أصيلا صادقا، يمتد في سلوكه وطبيعته إلى سائر المجالات بعد؛ بما فيها المجال الاجتماعي، والسياسي، والثقافي...إلخ، بما هي علاقات، وتصورات، ومشاعر أيضا! لأن المحبة لا تَلْزَمُ في الوجدان الروحي حدا معينا، بل تفيض مواجيدها في السلوك العام للإنسان. وهذا سر القوة في التربية الصوفية، مما لا تجده في غيرها.
ومن هنا كان السلوك بالناس في الخطاب الديني - تربيةً ووعظاً - بالتدرج بهم بين "المقامات" و"الأحوال" أمرا أساسيا جدا، في سياق تحقيق النظرية الاندماجية، وترسيخ الخصوصية المغربية، في تنظيم الشأن الديني، وحسن تدبيره. وبيان ذلك هو كما يلي:
فالمقامات هي ما يكتسبه العبد من منازل إيمانية؛ بمجاهداته الروحية في طريق العبادة والزهد. فإذا حصل العبد على مقامٍ ما كان له ذلك المقامُ خُلُقاً ثابتا، وصفةً راسخةً، يبني عليها ما بعدها؛ إلى أن يبلغ خلة الكمال.
ومن هنا قال أبو نصر السراج الطوسي رحمه الله: (فإن قيل: ما معنى المقامات؟ يقال: معناه مقام العبد بين يدي الله عز وجل، فيما يقام فيه من العبادات، والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله عز وجل (...) [قال:] وقد سئل أبو بكر الواسطي رحمه الله عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة"([1]) قال: "مجندة" على قَدْرِ المقامات. والمقامات: مثل التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والرضا، والتوكل، وغير ذلك. (...) وأما معنى الأحوال: فهو ما يحل بالقلوب، أو تحل به القلوب من صفاء الأذكار. وقد حُكِيَ عن الجنيد رحمه الله أنه قال: "الحال نازلة تنـزل بالقلوب فلا تدوم".)([2])
وللإمام أبي الحسن الهجويري عبارة لطيفة في تعريف هذين المصطلحين بصورة أدق وأوضح. قال رحمه الله في سياق حديثه عن المريد: (الحال: معنى يرد من الحق على القلب، دون أن يستطيع العبد دفعه عن نفسه بالكسب حين يرد، أو جذبه بالتكلف حين يذهب. فالمقام: عبارة عن طريق الطالب وموضعه في محل الاجتهاد، وتكون درجته بمقدار اكتسابه في حضرة الحق تعالى. والحال: عبارة عن فضل الله تعالى ولطفه إلى قلب العبد، دون أن يكون لمجاهدته تعلق به؛ لأن المقام من جملة الأعمال، والحال من جملة الأفضال! والمقام من جملة المكاسب، والحال من جملة المواهب)([3])
ولذا كانت المنازل أو المقامات مراتب، إذا حصل عليها العبد وجب أن يحافظ عليها ؛ لأنها مستوى معين من التدين، والفهم للدين، والقرب من الله، لا يجمل به أن يتراجع عنه. فهو ثابت. وإذن ؛ فالمقام نتيجة العمل، والحال ذوق المقام ؛ فآل الجميع إلى العمل! وما أحسن قول أبي بكر الكلاباذي رحمه الله: (الأحوال مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال!)([4])
ولا يزال العبد يسلك هذا الطريق متخلقا، بين تهذيب وتشذيب؛ حتى تصفو روحه تماما لله، محققة الرضى الكامل بالله، بما تخلق من كلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، سلوكا أبديا إلى الله؛ فينال نعمة المحبة صفةً ومقاما باقيا، وذلك هو نجاح التربية الصوفية في تربية الخلق؛ لأن مجتمعا يكون السواد الأعظم من أفراده على هذه الشاكلة، لن يصدر منه ما يمزق وحدته، ولا ما يضعف تماسكه، ولا ما يُبْلِي نسيجه الاجتماعي.
والسبب في ذلك أن التربية الصوفية تفتح باب الأمل دائما للناس؛ بما تسلك بهم من منازل على سبيل التدرج. والناس في الدخول إلى أول عتبات التربية جميعا مقبولون! وهذا معنى عظيم جدا ؛ فلا إقصاء لأحد! إذ التصوف يعتمد منـزلة التوبة بابَ أملٍ للعباد، مفتوحا أمام القلوب في كل وقت وحين. وهنا يكمن نجاح الفكر الصوفي السني في الاستيعاب الشامل للمجتمع، والإدماج الكلي للناس في حضنه الدافئ.
فالتوبة عند القوم: هي أول باب يلجه السالك في مسرى المحبة.
والتوبة بهذا المعنى توبتان:
توبة العبد الآبق الشارد عن باب الله، وتوبة العبد السالك إلى الله. قال أبو بكر الكلاباذي: (سئل الحسين المغازلي عن التوبة، فقال: تسألني عن توبة الإنابة أو توبة الاستجابة ؟ فقال السائل: ما توبة الإنابة ؟ قال: أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك. قال: فما توبة الاستجابة ؟ قال: أن تستحيي من الله لقربه منك!)([5])
فأما الأولى فلا تكون إلا بعد مقام اليقظة، يقظة الإنسان من غفلته، واكتشافه أنه غارق في مستنقع الشهوات والمعاصي؛ فيشتاق إلى لحظة سعيدة مع الطاهرين، بعدما ضاقت أنفاسه بالروائح النتنة، المنبعثة من جيفة العلق المسنون! فيقرر بدء المصالحة مع الله ؛ وذلك أول الدخول إلى مقام (الإرادة)، مع قافلة الصالحين، هاربا من رفقته السابقة مع الأشرار الغفلة: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدَوة والعشي يريدون وجهه ولاتعد عيناك عنهم تريد زينة الحيَوة الدنيا ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" الكهف الآية 28.
سواء كان ذلك توبة من كفر صريح، أو من معصية دائمة. فهي في جميع هذه الأحوال خروج من فوضى الشرود ودخول إلى نظام المدار، حيث يستقيم العبد في السير إلى ربه. وتلك هي التوبـة النصـوح:"يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا"(التحريـم: 8).
أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ آمنت بالله ثم استقم!)([6]).
والثانية توبة العبد المستقيم السالك إلى الله، إذ يصيبه الشيطان في طريقه ببعض الرشقات والنخسات ؛ فيصيبه القبض بعد البسط؛ وينتبه إلى ما به من أذى؛ فيجأر فارا إلى الله. وهي المشار إليها في قول الله تعالى يصف عباده السالكين: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر و الحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين" التوبة الآية 112.
إنها صورة ذات إشعاع بهي، ترى فيها قافلة المحبين تقطع المسافات إلى الله توبةً، وعبادة، وحمدا، وسياحة، وركوعا، وسجودا.. آية تعبر بتصويرها الجميل هذا عن حركة السير! ألا ترى أن الركوع والسجود إنما هما فعل واحد هو: الصلاة (http://www.habous.net/component/content/article/285-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9/2355-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9.html) ؟ لكن الله تعالى ذكر كلا منهما على حدة؛ لترى العبد في حركة دائمة بين ركوع وسجود! فيوحي لك ذلك بالاستمرار والتجدد في الأفعال المستفادة مما سبق من عبـارات: (التائبون العابدون الحامدون السائحون) رغم أن التعبير باسم الفاعل (الفاعلون) دال بذاته على ذلك؛ ولكن تتأكد الصورة المتحركة السائرة باستمرار إلى درجة التشخص الحي ! تماما كما في قوله تعالى:"تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود"(الفتح:29) ]تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا[ أي لا يفترون، يحدوهم الشوق، في حركة سائرة أبدا إلى الله ؛ إلى أن يلقوه على المحبة والرضى!
فهم هنا إذن المؤمنون (التائبون) باستمرار.. المجددون لتوبتهم بلا انقطاع. قال عليه الصلاة والسلام: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها..!)([7])
وابن آدم لا بد أن يذنب؛ فمن هنا كان هو ابن آدم، قال تعالى:"وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" طه 121-122
وقال سبحانه: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم "البقرة 37
]ثم تلك هي إرادة الله الجميلة في خلقه، وكرمه الفياض من أنوار أسمائه الحسنى. جاء في الحديث النبوي: (ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم!)([8]).
والتوبة بجميع معانيها من أبهى منازل العبادة في الإسلام.. إنها خضرة الأمل الممتدة في أفق السير إلى الله، المتصلة بمنازل الرجاء، والمحبة، والشوق، والأنس بالله.. ظلال من النور البهي تظلل العبد أبدا وهو يتنقل من منزل إلى منزل، ويسبح من فلك إلى فلك؛ وهو يمضي صعدا في اتجاه السماء، عبر مدارج المحبين!
مقام التوبة إذن يتيح لك أن تعرف الله! ومعرفة الله قربى، واقتراب.. ومن اقترب من الجمال أحبه! والحب غايته الوصال، ومن وصله الحبيب كان حاله أنسا وسرورا! فأنى له إذن أن يقنط أو ييأس؟ هنا في ظلال الله لا قنوط ولا يأس.. وإنما أبواب السماء تنهمر بواردات من النور، ذات رواء علوي، يملأ الوجدان بأنداء المحبة.. قال عز وجل لعباده الغارقين في أوحال الذنوب: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو التواب الرحيم" (الزمر: 53).
إنها لتعجز الكلمات والعبارات البشرية عن وصف ما ينفتح عنه هذا الباب السماوي الفسيح، من خيرات ورحمات! (إن الله يغفر الذنوب جميعا!)..
الكل إذن مقبول عند الله، مأذون له في الدخول إلى حضرته تعالى، موعود بموعد للوصال.. موعد غير بعيد ولا عسير، لا تحجبه الوسائط، ولا تثقله البروتوكولات! " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"(النساء:110)
وإنما أنت.. أنت أيها العبد المحب عليك أن تسأل.. أن تسأل فقط!
"ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده وياخذ الصدقات و أن الله هو التواب الرحيم" التوبة 104
ذلكم الله الذي يعطي قبل أن يُسْأَلَ، فكيف إذا سئل؟
وعليه، فالتصوف بما يملك من طاقة تربوية هائلة، في تخليق القلوب بالمحبة؛ كفيل بترقية الخطاب الديني لدى الوعاظ والمرشدين عموما إلى مستوى الدلالة على الله! ومن كان كذلك كان أثره فعالا على الحقيقة في ترشيد السلوك الديني العام؛ بما يؤمنه روحيا، ويدمجه اجتماعيا، ويمتنه وطنيا.
ولكي يتيسر على الخطيب والواعظ استثمار التراث الصوفي في ترسيخ القيم السامية في نفوس الناس، فعليه أن يتحدث انطلاقا مما قدمه المنتسبون إلى التصوف في خدمة الناس في الجوانب الدينية والتعليمية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


[1]- أخرجه البخاري 3158 ومسلم 2638.
[2]- اللمع 65-66.
[3]- كشف المحجوب: 409.
2- التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي: 97.
[5]- التعرف لمذهب أهل التصوف: 108-19.
[6]- أخرجه أحمد 3/413 ومسلم 38 وابن حبان 3/221 والبيهقي 6/458.
[7]- أخرجه أحمد 5/153 والدارمي 2/415 والترمذي 1987.

[8]- أخرجه أحمد 2/304 وابن حبان 16/396.
التصوف تربية على المحبة (http://www.habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/886-2012-06-28-13-03-19.html)


يعتبر التصوف كما أرسى قواعده السلوكية شيوخ المغرب من أهم المميزات للخصوصيات المغربية في المجال الديني؛ وذلك لِمَا تراكم أيضا في هذا المجال من رصيد تربوي، أسهم - عبر التاريخ - بصورة فعالة جدا، في تشكيل الوجدان الديني المغربي، والسلوك الاجتماعي الوطني؛ بما لا يمكن محوه أو تغييره. وهذه حقيقة تاريخية راسخة!
وعدم اعتبار هذه الخصوصية من لدن الوعاظ والمرشدين؛ من شأنه أن يؤدي بخطابهم الإصلاحي إلى عكس مقاصده التربوية تماما!
وقد كان للتصوف كما تمثله شيوخ المغاربة - ولا يزال - الأثرُ البالغ في تمتين الروابط الروحية، بين جميع المكونات الثقافية والاجتماعية والقَبَلِيَّةِ للمجتمع المغربي، تحت لواء واحد، هو: لواء المحبة! إذِ المحبة هي غاية التربية الروحية، والسلوك الصوفي، وذلك بالسير بالمريد عبر "مقامات" التربية، و"أحوال" التزكية؛ حتى يصل إلى تحقيق خُلَّةِ "المحبة" في نفسه؛ خُلُقاً تعبديا أصيلا صادقا، يمتد في سلوكه وطبيعته إلى سائر المجالات بعد؛ بما فيها المجال الاجتماعي، والسياسي، والثقافي...إلخ، بما هي علاقات، وتصورات، ومشاعر أيضا! لأن المحبة لا تَلْزَمُ في الوجدان الروحي حدا معينا، بل تفيض مواجيدها في السلوك العام للإنسان. وهذا سر القوة في التربية الصوفية، مما لا تجده في غيرها.
ومن هنا كان السلوك بالناس في الخطاب الديني - تربيةً ووعظاً - بالتدرج بهم بين "المقامات" و"الأحوال" أمرا أساسيا جدا، في سياق تحقيق النظرية الاندماجية، وترسيخ الخصوصية المغربية، في تنظيم الشأن الديني، وحسن تدبيره. وبيان ذلك هو كما يلي:
فالمقامات هي ما يكتسبه العبد من منازل إيمانية؛ بمجاهداته الروحية في طريق العبادة والزهد. فإذا حصل العبد على مقامٍ ما كان له ذلك المقامُ خُلُقاً ثابتا، وصفةً راسخةً، يبني عليها ما بعدها؛ إلى أن يبلغ خلة الكمال.
ومن هنا قال أبو نصر السراج الطوسي رحمه الله: (فإن قيل: ما معنى المقامات؟ يقال: معناه مقام العبد بين يدي الله عز وجل، فيما يقام فيه من العبادات، والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله عز وجل (...) [قال:] وقد سئل أبو بكر الواسطي رحمه الله عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة"([1]) قال: "مجندة" على قَدْرِ المقامات. والمقامات: مثل التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والرضا، والتوكل، وغير ذلك. (...) وأما معنى الأحوال: فهو ما يحل بالقلوب، أو تحل به القلوب من صفاء الأذكار. وقد حُكِيَ عن الجنيد رحمه الله أنه قال: "الحال نازلة تنـزل بالقلوب فلا تدوم".)([2])
وللإمام أبي الحسن الهجويري عبارة لطيفة في تعريف هذين المصطلحين بصورة أدق وأوضح. قال رحمه الله في سياق حديثه عن المريد: (الحال: معنى يرد من الحق على القلب، دون أن يستطيع العبد دفعه عن نفسه بالكسب حين يرد، أو جذبه بالتكلف حين يذهب. فالمقام: عبارة عن طريق الطالب وموضعه في محل الاجتهاد، وتكون درجته بمقدار اكتسابه في حضرة الحق تعالى. والحال: عبارة عن فضل الله تعالى ولطفه إلى قلب العبد، دون أن يكون لمجاهدته تعلق به؛ لأن المقام من جملة الأعمال، والحال من جملة الأفضال! والمقام من جملة المكاسب، والحال من جملة المواهب)([3])
ولذا كانت المنازل أو المقامات مراتب، إذا حصل عليها العبد وجب أن يحافظ عليها ؛ لأنها مستوى معين من التدين، والفهم للدين، والقرب من الله، لا يجمل به أن يتراجع عنه. فهو ثابت. وإذن ؛ فالمقام نتيجة العمل، والحال ذوق المقام ؛ فآل الجميع إلى العمل! وما أحسن قول أبي بكر الكلاباذي رحمه الله: (الأحوال مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال!)([4])
ولا يزال العبد يسلك هذا الطريق متخلقا، بين تهذيب وتشذيب؛ حتى تصفو روحه تماما لله، محققة الرضى الكامل بالله، بما تخلق من كلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، سلوكا أبديا إلى الله؛ فينال نعمة المحبة صفةً ومقاما باقيا، وذلك هو نجاح التربية الصوفية في تربية الخلق؛ لأن مجتمعا يكون السواد الأعظم من أفراده على هذه الشاكلة، لن يصدر منه ما يمزق وحدته، ولا ما يضعف تماسكه، ولا ما يُبْلِي نسيجه الاجتماعي.
والسبب في ذلك أن التربية الصوفية تفتح باب الأمل دائما للناس؛ بما تسلك بهم من منازل على سبيل التدرج. والناس في الدخول إلى أول عتبات التربية جميعا مقبولون! وهذا معنى عظيم جدا ؛ فلا إقصاء لأحد! إذ التصوف يعتمد منـزلة التوبة بابَ أملٍ للعباد، مفتوحا أمام القلوب في كل وقت وحين. وهنا يكمن نجاح الفكر الصوفي السني في الاستيعاب الشامل للمجتمع، والإدماج الكلي للناس في حضنه الدافئ.
فالتوبة عند القوم: هي أول باب يلجه السالك في مسرى المحبة.
والتوبة بهذا المعنى توبتان:
توبة العبد الآبق الشارد عن باب الله، وتوبة العبد السالك إلى الله. قال أبو بكر الكلاباذي: (سئل الحسين المغازلي عن التوبة، فقال: تسألني عن توبة الإنابة أو توبة الاستجابة ؟ فقال السائل: ما توبة الإنابة ؟ قال: أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك. قال: فما توبة الاستجابة ؟ قال: أن تستحيي من الله لقربه منك!)([5])
فأما الأولى فلا تكون إلا بعد مقام اليقظة، يقظة الإنسان من غفلته، واكتشافه أنه غارق في مستنقع الشهوات والمعاصي؛ فيشتاق إلى لحظة سعيدة مع الطاهرين، بعدما ضاقت أنفاسه بالروائح النتنة، المنبعثة من جيفة العلق المسنون! فيقرر بدء المصالحة مع الله ؛ وذلك أول الدخول إلى مقام (الإرادة)، مع قافلة الصالحين، هاربا من رفقته السابقة مع الأشرار الغفلة: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدَوة والعشي يريدون وجهه ولاتعد عيناك عنهم تريد زينة الحيَوة الدنيا ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" الكهف الآية 28.
سواء كان ذلك توبة من كفر صريح، أو من معصية دائمة. فهي في جميع هذه الأحوال خروج من فوضى الشرود ودخول إلى نظام المدار، حيث يستقيم العبد في السير إلى ربه. وتلك هي التوبـة النصـوح:"يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا"(التحريـم: 8).
أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ آمنت بالله ثم استقم!)([6]).
والثانية توبة العبد المستقيم السالك إلى الله، إذ يصيبه الشيطان في طريقه ببعض الرشقات والنخسات ؛ فيصيبه القبض بعد البسط؛ وينتبه إلى ما به من أذى؛ فيجأر فارا إلى الله. وهي المشار إليها في قول الله تعالى يصف عباده السالكين: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر و الحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين" التوبة الآية 112.
إنها صورة ذات إشعاع بهي، ترى فيها قافلة المحبين تقطع المسافات إلى الله توبةً، وعبادة، وحمدا، وسياحة، وركوعا، وسجودا.. آية تعبر بتصويرها الجميل هذا عن حركة السير! ألا ترى أن الركوع والسجود إنما هما فعل واحد هو: الصلاة (http://www.habous.net/component/content/article/285-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9/2355-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9.html) ؟ لكن الله تعالى ذكر كلا منهما على حدة؛ لترى العبد في حركة دائمة بين ركوع وسجود! فيوحي لك ذلك بالاستمرار والتجدد في الأفعال المستفادة مما سبق من عبـارات: (التائبون العابدون الحامدون السائحون) رغم أن التعبير باسم الفاعل (الفاعلون) دال بذاته على ذلك؛ ولكن تتأكد الصورة المتحركة السائرة باستمرار إلى درجة التشخص الحي ! تماما كما في قوله تعالى:"تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود"(الفتح:29) ]تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا[ أي لا يفترون، يحدوهم الشوق، في حركة سائرة أبدا إلى الله ؛ إلى أن يلقوه على المحبة والرضى!
فهم هنا إذن المؤمنون (التائبون) باستمرار.. المجددون لتوبتهم بلا انقطاع. قال عليه الصلاة والسلام: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها..!)([7])
وابن آدم لا بد أن يذنب؛ فمن هنا كان هو ابن آدم، قال تعالى:"وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" طه 121-122
وقال سبحانه: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم "البقرة 37
]ثم تلك هي إرادة الله الجميلة في خلقه، وكرمه الفياض من أنوار أسمائه الحسنى. جاء في الحديث النبوي: (ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم!)([8]).
والتوبة بجميع معانيها من أبهى منازل العبادة في الإسلام.. إنها خضرة الأمل الممتدة في أفق السير إلى الله، المتصلة بمنازل الرجاء، والمحبة، والشوق، والأنس بالله.. ظلال من النور البهي تظلل العبد أبدا وهو يتنقل من منزل إلى منزل، ويسبح من فلك إلى فلك؛ وهو يمضي صعدا في اتجاه السماء، عبر مدارج المحبين!
مقام التوبة إذن يتيح لك أن تعرف الله! ومعرفة الله قربى، واقتراب.. ومن اقترب من الجمال أحبه! والحب غايته الوصال، ومن وصله الحبيب كان حاله أنسا وسرورا! فأنى له إذن أن يقنط أو ييأس؟ هنا في ظلال الله لا قنوط ولا يأس.. وإنما أبواب السماء تنهمر بواردات من النور، ذات رواء علوي، يملأ الوجدان بأنداء المحبة.. قال عز وجل لعباده الغارقين في أوحال الذنوب: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو التواب الرحيم" (الزمر: 53).
إنها لتعجز الكلمات والعبارات البشرية عن وصف ما ينفتح عنه هذا الباب السماوي الفسيح، من خيرات ورحمات! (إن الله يغفر الذنوب جميعا!)..
الكل إذن مقبول عند الله، مأذون له في الدخول إلى حضرته تعالى، موعود بموعد للوصال.. موعد غير بعيد ولا عسير، لا تحجبه الوسائط، ولا تثقله البروتوكولات! " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"(النساء:110)
وإنما أنت.. أنت أيها العبد المحب عليك أن تسأل.. أن تسأل فقط!
"ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده وياخذ الصدقات و أن الله هو التواب الرحيم" التوبة 104
ذلكم الله الذي يعطي قبل أن يُسْأَلَ، فكيف إذا سئل؟
وعليه، فالتصوف بما يملك من طاقة تربوية هائلة، في تخليق القلوب بالمحبة؛ كفيل بترقية الخطاب الديني لدى الوعاظ والمرشدين عموما إلى مستوى الدلالة على الله! ومن كان كذلك كان أثره فعالا على الحقيقة في ترشيد السلوك الديني العام؛ بما يؤمنه روحيا، ويدمجه اجتماعيا، ويمتنه وطنيا.
ولكي يتيسر على الخطيب والواعظ استثمار التراث الصوفي في ترسيخ القيم السامية في نفوس الناس، فعليه أن يتحدث انطلاقا مما قدمه المنتسبون إلى التصوف في خدمة الناس في الجوانب الدينية والتعليمية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


[1]- أخرجه البخاري 3158 ومسلم 2638.
[2]- اللمع 65-66.
[3]- كشف المحجوب: 409.
2- التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي: 97.
[5]- التعرف لمذهب أهل التصوف: 108-19.
[6]- أخرجه أحمد 3/413 ومسلم 38 وابن حبان 3/221 والبيهقي 6/458.
[7]- أخرجه أحمد 5/153 والدارمي 2/415 والترمذي 1987.

[8]- أخرجه أحمد 2/304 وابن حبان 16/396.


الضابط المنهجي الرابع: إمارة المؤمنين، دعامة للأمن الروحي. (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/214-2012-06-28-13-06-18.html)

استقبال (http://habous.gov.ma/) > حفظ الخصوصية المغربية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html) > الإمام (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19.html) > حفظ الخصوصية المغربية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.h tml)




إمارة المؤمنين دعامة للأمن الروحي (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-19/136-%D8%AD%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B5%D9%88%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/214-2012-06-28-13-06-18.html)


تُشَكِّلُ البيعة بدلالتها الشرعية في سياقها التاريخي المغربي، خاصية من أهم الخصائص المكونة للهوية الوطنية المغربية. ومن ثَمَّ فإنه لا نجاح لأي خطاب ديني إلا بالدخول تحت ظلالها . فإمارة المؤمنين بدلالتها الدينية - كما تحققت تاريخيا بالمغرب - قامت على بيعة أدمجت حق الله وحق الرَّحِم! تماما كما في قوله تعالى:
(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (النساء: 1 )
فمذ تزوج المولى إدريس الأكبر كنزة الأمازيغية، في سياق بناء المجتمع المغربي، تحت بيعته الدينية بما هي حق الله؛ كان حقُّ الرَّحِم قد اندمج في هذا المعنى؛ مما شكل مفهوم "الأسرة الوطنية"! وهذا من أهم اللطائف في خصوصيات المكوِّن الديني للمجتمع المغربي. واستمر المغرب في تطوره التاريخي على وفاقٍ مع المرجعية الدينية للسلطة السياسية في البلاد، تحت صيغة إمارة المؤمنين، بدلالتها الشمولية المذكورة، عقيدةً ورَحِماً؛ إلى عهد الدولة العلوية، وهذا المعنى العظيم لا يزداد إلا قوة ورسوخا ، ولا تزداد آثاره إلا شمولا ووضوحا.
ففي ظروف اهتزاز كثير من الثوابت السياسية في العالم المعاصر سواء قبل انهيار الكتلة الشيوعية أو بعده، وما تلا ذلك من أحداث لا تزال تجلياتها إلى الآن، وما كان لها من آثار مختلفة على كثير من البلاد العربية والإسلامية بقي المغرب بحمد الله في أمن وأمان؛ لِمَا تحقق له من أمن روحي؛ بسبب هذه الطبيعة السياسية المندمجة في الفضاء الديني السمح، القائم على عقد البيعة. وما كان عقد البيعة في حقيقته إلا رابطا قلبيا على المستوى الوجداني، إذ الشعور الديني كما بيناه قائم على التعبد، وهذا إنما هو تواصلٌ روحي بين العبد وربه، وهو أهم ضمان وأقواه لاستقرار المغرب. حيث يمارس المؤمن عبادته بحفظ حق الله على المستوى السياسي المتمثل في حفظ عهد البيعة، والدفاع عنه بالغالي والنفيس . وتلك هي المرجعية التي أذكت روح المقاومة في الشعب المغربي، وأخرجته من تجربة الاستعمار أقوى ما يكون .
فبوجود إمارة المؤمنين يشعر المواطن المغربي بأمنه الروحي؛ بسبب ما يجد من ضمانٍ لممارسة حقوقه الدينية، والتعبير عن مواجيده الإيمانية. فهذه المساجد (http://habous.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9.h tml) المغربية، بعمارتها الأصيلة الراسخة، تعلن - وهي ترفع الأذان خمس مرات في اليوم للناس، كل الناس، الأمنَ والأمان، وتنشر السلم والسلام. وبذلك تنزل السكينة على القلوب؛ لأنها تشعر أن عقيدتها في حمى أمير المؤمنين.
وعليه ، فإن الواعظ و الخطيب يجب ألا تغيب عنه ما هذه الحقيقة الراسخة، وهما يؤديان مهمتهما كواجب ديني ووطني في الآن نفسه . بل يجب أن تكون هي المؤطر الأساس إلى جانب الخصائص الأخرى لخطابهما الديني.
إن الوفاء لعقد البيعة من حيث هي حق من حقوق الله يجب أن يكون نصب عين الإمام، أو الخطيب؛ لأنه ما إنما ينوب ان في مهمته ما تلك عن الإمامة العظمى، ومن ثم يتوجب على الإمام والخطيب العمل على تأليف القلوب حولها والتذكير بواجب السمع والطاعة للإمام الأعظم وذلك ما تنطق به الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة .
ومن هنا وجب أن تكون توجيهات أمير المؤمنين، في الشأن الديني والوطني مرجعا دائما للواعظ أو الخطيب؛ تحقيقاً للتواصل بين الإمام الأعظم وأمته. وإنما يتنـزل ذلك بصورة مطبقة بالتواصل مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومع المجلس العلمي الأعلى، الذي يرأسه أمير المؤمنين، ثم مع المجالس العلمية المحلية عبر الصعيد الوطني.
إن ذلك من شأنه أن يسدد الخطاب الديني العامل في حقل الإصلاح والتربية والتوجيه والإرشاد، ويجنبه مواطن الزلل والخلل، ويحفظه من الاصطدام بالحقائق الإيمانية، والثوابت الوطنية.



النظرية الاندماجية (http://www.habous.net/2012-01-27-14-38-06.html)

النظرية الاندماجية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06.html)


من المعلوم أن سياسة الدين والدنيا قد ارتبطت في تاريخ الأمة الإسلامية برعاية مصالح العباد والبلاد وما يصلح شأنهم في الحال والمآل، و لذلك جرى بين العلماء والأمراء وأهل الرأي في أزمنة كثيرة نوع توافق على ما يحفظ الأمن الروحي والسياسي للأمة، ويصون وحدتها من التمزق والخلاف، ويجنبها إثارة الفتن الداخلية والخارجية، التي لم يجن منها المسلمون سوى محن ضيعت الطالب وأفسدت المطلوب. وقديما قال الأفوه الأودي:
تنقاد الأمور بأهل الرأي ما صلحت فإن فسدت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فجمع الأمة على تصور وخطة دينية لصيانة وحدتها من الخلاف والتمزق لم تكن الأمة فيه بدعا في الناس، وقد حث القرآن الكريم على التآلف والتقارب وترك ما يوجب التدابر والتنازع، كما قال تعالى :
(وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ونذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) ( الأنفال : 46 )
وهذا الذي دفع أبا جعفر المنصور إلى أن يفكر في جمع الناس على موطأ مالك حيث قال لمالك: «ضع للناس كتابا أحملهم عليه ، فكلمه مالك في ذلك ، فقال : ضعه فما أحد اليوم أعلم منك . فوضع الموطأ فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر . وفي رواية أن المنصور قال له : يا أبا عبد الله ! ضع هذا العلم ودون كتابا وجنب فيه شدائد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ورخص عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما وشواذ ابن مسعود رضى الله عنه واقصد أواسط الامور وما أجمع عليه الصحابة والأئمة . فقال مالك : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد فأفتى كل في مصره بما رأى ، فلأهل المدينة قول ، ولأهل العراق قول تعدوا فيه طورهم ، فقال : أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفا ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، فضع للناس العلم» [1]
ولئن كان مالك أبى جمع الناس في زمانه على ذلك لما ر أ ى من استقرار مذاهب أخرى في بعض الأمصار سدا لذريعة الاعتراض والخلاف، فإن هذا المنحى في توحيد المذهب وتأصيل التدين لدى عامة الناس وتحصينه وحمايته برسم المذهب سدا لذريعة الخلاف قد ظل سياسة ماضية في المغرب والأندلس، منذ دخول الإسلام واستقرار الحكم بهذه البلاد، فسار الناس على ذلك إلى يوم الناس هذا .
وهذه الوحدة المذهبية السنية التي ظلت تحكم المغاربة في التشبث بالمذهب المالكي ، وعقيدة أبي الحسن الأشعري والتصوف السني طيلة هذه العصور ، كانت من أهم عوامل الاستقرار السياسي والديني بالمغرب، حيث ظلت البلاد في منأى عن النزاعات الدينية والفتن المذهبية ، وتكسرت على صخرة وحدتها العقدية والمذهبية كل التيارات الهدامة التي رامت فتنة القلوب والعقول، ومن ذلك صولة مذهب الخوارج بسجلماسة أيام بني مدرار وبني رستم، وكذا محاولات الفاطميين العبيديين في القرن الرابع، وغيرها من التيارات التي رامت تفتيت الوحدة المذهبية للمغرب ، كلها محاولات باءت بالفشل.
ومن ثم فإن التأصيل للنظرية الاندماجية في الشأن الديني أصبح ضرورة ملحة في إصلاح الشأن الديني، لأنها تجري في نفس المضمار، هدفها تقوية عرى الوحدة المذهبية وتجديدها؛ صيانة لدين الأمة من أن يصبح مجالا للفوضى والنزاع اللذين يؤديان إلى الفشل والانحطاط. وقد قال تعالى :
(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) (آل عمران: 103 )
فهي نعمة الوحدة والتآلف لا بد أن يحفظها كل مسلم مواطن غيور برعاية ثوابتها التي هي من أسبغ الآلاء والنعم التي تصون الأمن الروحي والسياسي لهذه البلاد. وهو بذلك على ثغر عظيم من ثغور الإسلام، فلا يؤتين الإسلام من قبله. وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من كفران النعم حين قال : «لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ، والمراد هنا كفر النعمة، وجحودها، ونسيان فضل الله في ذلك، بالتفريط في اجتماع الشمل والكلمة، ومفارقة الجماعة والانحياش لأهل الشذوذ والفرقة.
وهذه فيما يلي اثنا عشر معلما، ضمن « دليل الإمام والخطيب والواعظ » تدل السائرين على ما ينبغي حفظه ورعايته، لإصلاح الشأن الديني وتحسين أدائنا في مجالات التوجيه والإرشاد وتحصينه من نوازع الخلاف والخروج عن الجادة:
الأول: الإمام ينوب عن أمير المؤمنين ويحترم اختيارات الأمة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/902-2012-06-28-14-53-26.html)

استقبال (http://habous.gov.ma/) > النظرية الاندماجية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06.html) > الإمام (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06.html) > النظرية الاندماجية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9.html)


الإمام ينوب عن أمير المؤمنين ويحترم اختيارات الأمة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/902-2012-06-28-14-53-26.html)


إن الأئمة حراس ثغور هذا الدين، وحماة بيضة الأمة أن تدهمها من العلل والآفات، أو أن تفت في عضد وحدتها الفتن والخلافات، والواجب ألا تؤتى الأمة من قبلهم، فإنهم ملح البلد والصفوة المقتدى بها في المجتمع.
فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «.. وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر »([1])
ولذلك فالإمام أولى من يحفظ مقام القيادة الدينية في الناس؛ لأنه نائب عن الإمام الأعظم ومستأمن على دين الأمة، ولكي يضمن اجتماع كلمة الناس ووحدتهم، فإنه من الحكمة وكمال العقل أن يحترم اختيارات المجتمع السياسية والثقافية والدينية، وألا يثير نوازع الخلاف وما يسبب فتنة أو انشقاقا بين المسلمين.
ومن المعلوم أن لكل أمة اختيارات مذهبية وسياسية آثرت أن تكون أساس وحدتها ومدار اجتماع كلمتها في الشأن الديني والسياسي، فاحترامها وحفظها والدفاع عنها مما دعت إليه الشريعة، ودلت عليه الأصول والقواعد الكلية في الدين، لأنه لا تتم وحدة الأمة إلا بذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ومن المعلوم أن النزاع في هذه الأمور يفضي إلى اختلال نظام الأمن الروحي والسياسي ويفضي إلى ما لا يرضاه الله ورسوله من الخلاف والشقاق وانفلات الأمور وحدوث الفتن التي ذم الشرع من أيقظها.
و قد وقعت في تاريخ الأمة خلافات ونزاعات بسبب التفريط في الثوابت، و التنازع في الأصول التي كانت سبب وحدتها، وكلما وقع التفريط في الأصول أو التهاون في الثوابت، تعرضت الأمة لمخاطر الفتن والاضطراب، و مفاسد التفرق و الاختلاف، و وجد أعداؤها فرصة للنيل من وحدتها و التشغيب عليها، كما حدث ذلك في بعض مراحل التاريخ على يد الخوارج و الروافض.
واختيار المغاربة لمذهب مالك في الفقه، وعقيدة أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، وطريقة الجنيد في السلوك، في ميدان حفظ الشأن الديني، ونظام الملكية الدستورية، ومنحى الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في ميدان تسيير الشأن العام، هي أمور من شأنها أن تحافظ على استمرار الوحدة الدينية والسياسية للمغاربة. ومما هو معلوم أنها أسس لسياسة الدين والدنيا بما يحقق المصلحة للأمة في الحال والمآل، فحفظها واحترامها باعتبارها مسلمات عند كل المغاربة مما يحقق المصلحة الدينية والسياسية ويحفظ نظام الأمن الروحي والسياسي في المجتمع.


[1]- أخرجه أحمد 5/196 والدارمي 1/198 وأبو داود 3641 وابن ماجه 223 وابن حبان 88.

الثاني: حسن الأسوة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/901-2012-06-28-14-51-41.html)

حسن الأسوة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/901-2012-06-28-14-51-41.html)


إنما الأمة تبع لأئمتها، إذ هم نواب عنها في صيانة الدين وحفظ الثوابت، وإقامة الشعائر، فإنما جعل الإمام ليؤتم به. فلذلك لزم فيه حسن الأسوة وأن يكون قدوة في المجتمع؛ لأن في صلاحه صلاح المجتمع، وبزللـه يزل عَالَمٌ. والله تعالى قد ذم الذين يقولون ما لا يفعلون فقال سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون " (الصف: 2-3)
وقد كان من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لوفود الصحابة: « إنكم قادمون على إخوانكم؛ فأحسنوا لباسكم، وأصلحوا رحالكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس ! إن الله لا يحب الفحش والتفحش»([1])
ومن المعلوم أن العلم لا بد أن يقترن بالعمل، فإن وجده وإلا ارتحل، إذ الناس لا يبالون بشقشقة لسان أو فصاحة بيان؛ إذا لم يسعف القول العمل، ولم يصدق الخُبر الخبر، ورب لسان الحال يكون أبلغ في الدعوة من لسان المقال، والعلم العاري عن العمل لا يجاوز الشفاه والآذان، كما قال الإمام البوصيري رحمه الله:
أسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْ قَوْلٍ بِلاَ عَمَـلٍ لقد نَسَبْتُ به نَسْلاً لِذِي عُقُـمِ
أمَرْتُكَ الخَيْرَ لكنْ ما ائْتَمَرْتُ به وما اسْتَقَمْتُ فما قَوْلِي لَكَ اسْتَقِمِ
ومما ذمه الله وأنكره القرآن على أحبار بني إسرائيل انفصال العلم عن العمل، حيث قال تعالى:" أتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون" (البقرة:44)
وكان علي رضي الله عنه يقول: «قصم ظهري اثنان من الناس جاهل متنسك، وعالم متهتك»([2]).
وكم من الخلق لم ينتفع الناس بدعوتهم ولم يكن لهم أثر في الدنيا؛ لأنهم أوقدوا نيران الدعاوى مع سوء القدوة، وانتحلوا صفات لم يتخلقوا بها، وتلقبوا بألقاب ليسوا أهلا لها، وعلموا الناس بما لم يأتمروا به في خاصة أنفسهم.

[1]- أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 4/227 وأبو داود 4089 والطبراني 6/95 والحاكم 4/203 بسند صحيح.



[2]- فيض القدير
الثالث: طاعة ولاة الأمر ولزوم الجماعة ونبذ الفرقة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/900-2012-06-28-14-48-57.html)

طاعة ولاة الأمر ولزوم الجماعة ونبذ الفرقة (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/900-2012-06-28-14-48-57.html)


إن مما أوجبه الله على المسلمين لزوم ما عليه الجماعة، والاعتصام بحبل الله ونبذ الخلاف الذي هو من شيم أهل الأهواء، فإن أسلاف المسلمين من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كانوا يرون وجوب طاعة ولاة الأمر من طاعة الله، وذموا الخروج وشق عصا الطاعة لما يُفضيان إليه من الفتن وسفك الدماء. وذلك لصريح الأحاديث الواردة في هذا الشأن.
ومن مظاهر الطاعة لأولي الأمر متابعتهم، وعدم الاختلاف عليهم في اختياراتهم المذهبية والفقهية، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي r قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين"([1]) ؛
فهذا الحديث واضح الدلالة على وجوب متابعة الإمام في الصلاة (http://www.habous.net/component/content/article/285-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9/2355-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9.html) والاقتداء به في أركانها و أفعالها كما يؤديها، فلا يخالفه المأموم في أي شيء من حركات الصلاة وهيئاتها لقوله صلى الله عليه وسلم: "فلا تختلفوا عليه"، وهذا النهي للتَّأكيد على الالتزام الشديد والدقيق بمتابعة الإمام في كل ما يقوم به من أفعال الصلاة وحركاتها، ولذلك قال: "و إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين".
إن مقام أمير المؤمنين هو مقام الإمام الأعظم يستوجب طاعته ومتابعته، والالتزام باختياراته المذهبية والفقهية، وإن أولى الناس بهذا الأئمة الراتبون في المساجد (http://habous.net/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9.h tml) من حيث إنهم نائبون عن الإمام الأعظم، ولهذا يتعين الالتزام بتوجيهات أمير المؤمنين في المجال الديني والحض على احترام القانون في المجالات الأخرى، ومساندة اختيارات الأمة، والتسليم الشرعي بالتحكيم الذي يصدر عن أمير المؤمنين، لأن أولي الأمر اليوم يختارهم الناس بالانتخاب أو يعينهم أمير المؤمنين وفق ضوابط يحددها الدستور والقوانين المتفرعة عن أحكامه. فالطاعة التي يجب أن يحرض عليها العالم والإمام والخطيب والواعظ هي احترام النظام الذي ترتضيه الأمة، والتعلق بإمارة المؤمنين على اعتبارها الضامنة للثوابت، وعلى رأسها الثوابت الدينية. فالإسلام دين يحارب الفتنة ويكره الشك والفوضى، ويتشوّف إلى اليقين والنظام في كل شيء.
وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وتظاهرت فتاوى أهل العلم واتفقت كلمتهم على وجوب طاعة الإمام، وعدم الخروج على حكام المسلمين، مع ما كانوا يلاحظونه من اختلال في الأوضاع الاجتماعية والسياسية مما لم يخل منه عصر من العصور:
قال ابن أبي زيد القيرواني: «والطاعةُ لأئمة المسلمين مِنْ وُلاَةِ أُمُورِهم وعُلَمَائِهم»([2])
وقال الآمدي: «ولذلك من نظر بعين الاعتبار وحلى نحره بالأخبار، وسلك طريق الرشاد وجانب الهوى والعناد، لم يجد من نفسه الاختلاج بمخالفة شيء من ذلك أصلا. والذي يؤكد ذلك النظر إلى مستند الإجماع فإنا نعلم أن مقصود الشارع من أوامره ونواهيه في جميع موارده ومصادره، من شرع الحدود والمقاصات، وشرع ما شرع من المعاملات والمناكحات وأحكام الجهاد وإظهار شعائر الإسلام في أيام الجمع والأعياد، إنما هو لإصلاح الخلق معاشا ومعادا. وذلك كله لا يتم إلا بإمام مطاع من قبل الشرع بحيث يفوضون أزمتهم في جميع أمورهم إليه ويعتمدون في سائر أحوالهم عليه. فأنفسهم، مع ما هم عليه من اختلاف الأهواء وتشتت الآراء، وما بينهم من العداوة والشحناء، قلما تنقاد بعضهم لبعض، ولربما أدى ذلك إلى هلاكهم جميعا ! والذي يشهد لذلك وقوع الفتن واختباط الأمم عند موت ولاة الأمر من الأئمة والسلاطين، إلى حين نصب مطاع آخر. وأن ذلك لو دام لزادت الهوشات وبطلت المعيشات، وعظم الفساد في العباد، وصار كل مشغولا بحفظ نفسه تحت قائم سيفه ! وذلك مما يفضي إلى رفع الدين وهلاك الناس أجمعين ! ومنه قيل: الدين أس والسلطان حارس، الدين والسلطان توأمان. فإذا نصب الإمام من أهم مصالح المسلمين وأعظم عمد الدين، فيكون واجبا حيث عرف بالسمع أن ذلك مقصود للشرع، وليس مما يمكن القول بوجوبه عقلا» ([3])
وهذا هارون عليه السلام تأنى ببني إسرائيل وتركهم على عبادة العجل زمنا حتى يرجع موسى، لا إهمالا لشأن التوحيد، ولكن حرصا على اجتماعهم ليسمعوا كلمة الحق، لأنهم لو تفرقوا لنابذت كل طائفة أختها، وكانت فتنة لا يستقيم معها دعوة ولا إصلاح، كما قال تعالى:"قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا براسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي" (طه: 92-94)

[1]- أخرجه البخاري 6/291 ومسلم 414.
[2]- مقدمة الرسالة: 7.

[3]- سيف الدين الآمدي، غاية المرام في علم الكلام: 366.

الرابع: الخلاف شر (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/899-2012-06-28-14-43-13.html)

الخلاف شر (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/899-2012-06-28-14-43-13.html)


فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا ولم يتفرقوا، فهذا عبد الله بن مسعود كان يرى القصر والجمع بمنى وهي من مكة، وكان عثمان إمام المسلمين يرى إتمام الصلاة (http://www.habous.net/component/content/article/285-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9/2355-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9.html) مع الجمع لأنه كان يرى نفسه من أهل مكة وله بها أهل، وقد صلى ابن مسعود وراء عثمان وأتم الصلاة خلافا لما يراه في خاصة نفسه، فلما سئل عن ذلك قال: «الخلاف شر» لأن متابعة الإمام والمحافظة على اجتماع الأمة أمر واجب، ومصلحة راجحة، وأخذه بمقتضى رأيه مصلحة مرجوحة. فعن معاوية بن قرة عـن أشياخـه «أن عبد الله بن مسعود صلى أربعا، فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعا، قال: الخلاف شر» [1])، وهو من شيم أهل الأهواء.
وتضييع الواجب من أجل رأي اجتهادي أمر مذموم شرعا، وليس من تصرف أهل العقول، كما قال تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"(الأنفال:46(
وقد تفرقت الخوارج وشقت عصا الطاعة في المسلمين بسبب ركوب الهوى واعتقاد التفرد بمعرفة الحق. وكان مهدا لمذهبهم بعض المتجرئين وكان أولهم ذو الخويصرة التميمي الـذي قـال للنبي صلى الله عليه وسلم: «اعدل يا محمد إنها قسمة ما أريد بها وجه الله» [2]
وكان هؤلاء من أشد الفرق دفاعا عن مذهبهم، وحماسا لآرائهم وعقيدتهم، تعصبوا لباطلهم تعصبا شديدا، وكان معظمهم من جهلة الأعراب الذين ألفوا الخشونة وشظف العيش، وغالوا في آرائهم وجادلوا خصومهم بفصاحة وبيـان، وأخذوهم بعنف وقوة، وكان أصل بدعتهم التنطع وسوء الفهم عن الله ورسوله، حيث أنكروا على الإمام علي قبول التحكيم، وطلبوا منه الحكم على نفسه بالكفر أو نقض ما أبرمه مع معاوية، وقالوا: »لا حكم إلا لله« وهي كلمة حق أريد بها باطل. وكلهم كانوا يرومون الحق لكنهم ضل سعيهم في الحياة الدنيا، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه « وكم من مريد للخير لم يدركه[3] »
وقد قالوا لعلي: لا نريد بقتالك إلا وجه الله والدار الآخرة فقال لهم: «بل مثلكم كما قال الله عز وجل: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" (الكهف:104(
منهم أنتم ورب الكعبة».


[1]- أخرجه عبد الرزاق في المصنف 2/199 وأبو داود 1960 والطبراني 6/386 والبيهقي 3/143.
[2]- أخرجه الحميدي 2/543 وسعيد بن منصور 2/373 وابن ماجه 172 وابن الجارود 272 وصححه الإمام البوصيري في مصباح الزجاجة 1/25.
[3]- أخرجه الدارمي 1/79.

الخامس: وحدة الأمة وصيانة الأمن الروحي (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/898-2012-06-28-14-33-11.html)

وحدة الأمة وصيانة الأمن الروحي (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/898-2012-06-28-14-33-11.html)


وهو مطلب شرعي كما هو مطلب اجتماعي و سياسي؛ فقد قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"(آل عمران:103)
فحري بالإمام أن يغرس في الناس مبادئ التوحيد بمعناه الواسع هذا. فيتعمق في نفوسهم التوحيد الذي هو باب الأمان، وسبيل الاطمئنان، كما تتعمق في النفوس الألفة الموحدة، والمودة الاجتماعية الجامعة التي بلغت من الأهمية ما استدعى أن يعينها الحق جل جلاله فيما امتن به:"لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم" (الأنفال:63)
ثم جاءت الأحاديث تعمق هذا الشعور وتذكيه من جميع النواحي. فأخوة الإسلام، وحقوق الجيران، وباقي معاني الخلق والإحسان أدوات أمن الأفراد والمجتمعات واستقرارها.
وقال ابن عباس لسماك الحنفي: « يا حنفي !الجماعة، الجماعة! هلكت الأمم الخالية لتفرقها. أما سمعت الله عز وجل يقول: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"(آل عمران:103)


السادس: التصوف (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/897-2012-06-28-14-29-10.html)

التصوف (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/897-2012-06-28-14-29-10.html)


مما لا خلاف فيه بين أهل العلم أن السلوك إلى الله وتزكية النفس من أدرانها مطلب من المطالب المفروض على الدعاة والأئمة توجيه الناس إلى التزود منه، فهو منهج متين، ومقام من الدين مكين، وقد كان الزهد في أول الإسلام دعوة إلى التقلل والكد في طلب العلم، والجهاد في سبيل الله، وعمارة الأرض والتخلق بكل خلق سني. وكما يعلمهم ما يصلح ظواهرهم يعلمهم ما يصلح بواطنهم، ولكنه هدف كبير، وأمر جليل.
والتصوف السني اصطلاح يمثل تيارا ومدرسة للتربية والسلوك في زمن السلف، وقد سار في ركابه أقوام طلقوا الدنيا واعتزلوا غمرات السياسة، وعرفوا برسم الزهد في بداية أمرهم، وكان أعلامهم ممن لزموا الكتاب والسنة، كبشر الحافي، ومالك بن دينار، وأبي سليمان الداراني، والجنيد سيد الطائفة.
وقد سلك مسلكهم أعلام فقهاء المالكية ممن صنفوا في هذا الشأن وصاروا فيه قدوة وأئمة تُقْتَفَى آثارهم كابن الحاج، وابن أبي جمرة، والشاطبي، والشيخ زروق المالكي «محتسب الصوفية» وصاحب «عدة المريد»، ممن وقفوا عند مسلك الثوري، وابن المبارك، وسري السقطي، والحارث المحاسبي، وإبراهيم بن أدهم، وغيرهم ممن لزموا هدي القرآن والسنة.
فهذا المنحى في التصوف السني قد سلكه أعلام الأئمة الربانيين، ولم يزالوا يتواصون بالعناية به في تزكية الأنفس، ولم يقع عليه إنكار أحد من أهل العلم المعتبرين، بل هو روح التربية وسبيل تزكية الأنفس، لزمه أعلام الأمة على هدي الشريعة كما قال الجنيد سيد الطائفة: « الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقْتَفَى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته، ولزم طريقته» ([1]).
ومن المعلوم أن هذا المنحى المعتدل لا يُكسب صاحبه شهرة، ولا يصنع له زعامة، لأن مقتضاه التواضع ولزوم ما عليه الجماعة، واطِّراح حب الرئاسة، واتباع هدي القرآن والسنة، وهو سبيل لا يسمح بالتميز والتفرد عن الأمة بمذهب أو نحلة «لأن علامة أهل الحق أنه ليست لهم علامة» و«من أخلص لله لم يحتج إلى إعلان».




[1]- تلبيس إبليس لابن الجوزي 162.

السابع: المذهب المالكي ومنحى الوسطية والاعتدال (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/896-2012-06-28-14-27-23.html)

المذهب المالكي ومنحى الوسطية والاعتدال (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/896-2012-06-28-14-27-23.html)


وكما اختار العلماء في السلوك مسلك إمام معتدل مشهود له بالاستقامة، اختاروا في الفقه مذهب عالم اتفقت الأمة على إمامته، وأجمعت على فضله، فاختاروا مذهب عالم المدينة مالك بن أنس. وعليه فحري بالعلماء والأئمة والخطباء التنويه بعلمه، وإرشاد الناس على منهجه، وجعلهم يتمسكون بمذهبه، أصولا وفروعا، وفق منهج متجدد محمود، يحفظنا من بأس التفلت المنبوذ، كما يقينا آفة الركود، والتخلف والجمود. وحري بالأئمة مع ذلك أن يفقهوا أدلة مذهب هذا الإمام العلامة، ويجعلوه بين يدي توجيهاتهم شامة، فهذا قمين أن يكسب دعوتهم القبول الحسن، ويحمي الناس شرور الحيرة والفتن.

الثامن: ترتيب الأولويات في فقه التوجيه والإصلاح (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/895-2012-06-28-14-26-00.html)

ترتيب الأولويات في فقه التوجيه والإصلاح (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/895-2012-06-28-14-26-00.html)


لا يخفى أن من مقاصد الدعوة سد الثغرات الفكرية والمنهجية وعلاج الآفات التربوية التي عانى و ما زال يعاني منها المسلمون في السلوك وسداد المنهج وإتقان التحكم في سنن بناء الحضارة والمجتمع، لخدمة حاضر الأمة ومستقبلها. و معلوم أنه لا يتأتى ذلك إلا بمراعاة حاجيات العصر ومتطلبات الواقع، و استشراف مستقبل الإسلام فكرا وحضارة.
ومن عظيم الآفات المنهجية التي أصيب بها العقل المسلم الإخلال بفقه الأولويات في معالجة الواقع، وعدم اعتبار حاجات الأمة في مراتب العلاج، وقضايا الخلاف والمواجهة، حيث غلب على كثير من الناس الإغراق في الجزئيات على حساب الكليات، والولع بتلك الفرعيات على حساب المعضلات.
فالواجب مراعاة فقه الأولويات في معالجة الأدواء والعلل، وترتيب درجات الخلاف في علاج الأزمات الفكرية والحضارية، مع المحافظة على آداب الخلاف مع المخالف في مسائل الفروع، لأن الخلاف فيها لا يفسد للود قضية.
ولا يليق أن يُشغل المسلمون بقضايا لا جدوى من إثارتها، يستنفدون في غمارها جهودهم، ويضيعون بذلك واجبات من فروض الكفاية، عليها تنبني حضارة الأمة وسيادتها.

التاسع: الدعوة بالحكمة والتأني والتدرج في الإصلاح (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/894-2012-06-28-14-25-07.html)

الدعوة بالحكمة والتأني والتدرج في الإصلاح (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/894-2012-06-28-14-25-07.html)


إن سنن الله في التغيير وإصلاح المجتمعات جرت على اعتبار سنة التدرج وسنة الأجل المسمى، لأن ما تراكم من الخطأ والانحراف في سنين لا يمكن تغييره بين عشية وضحاها، ولذلك وجب التأني والتدرج في علاج الأمور.
وقد قال سبحانه: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"(النحل:125)
وقوله تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"(فصلت:34)
وقد جعل الله لكل حال وواقع أجلا مسمى يمضي فيه، ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: «لم يُبق من الجهل شيئا من أراد أن يُظهر في الوقت ما لم يُظهره الله فيه» ([1])
وسنة التدرج تقتضي السير برفق وتأنٍّ، فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم أشج بني عبد القيس بما كان عليه من الحلم والتأني فعن أُمِّ أَبَانَ بِنْتِ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جِدِّهَا زَارِعٍ وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرِجْلَهُ قَالَ وَانْتَظَرَ الْمُنْذِرُ الْأَشَجُّ حَتَّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا قَالَ بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ»([2])
إن الرفق ما دخل شيئا إلا زانه، وما خلا من شيء إلا شانه([3])، ومن ثم قال سفيان الثوري: «لا يحل لأحد أن يُقدِمَ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بشروط ثلاثة: أن يكون عالما بما يأمر، عالما بما ينهى، رفيقا فيما يأمر، رفيقا فيما ينهى، عدلا فيما يأمر، عدلا فيما ينهى»([4]).

[1]- حكم ابن عطاء الله السكندري.
[2]- أخرجه أبو داود 5225 والطبراني 5/275 والبيهقي 7/102.
[3]- أخرجه أحمد 6/171 ومسلم 2594 وأبو داود 2478 وابن ماجه 4185.
[4]- ذكره أحمد بن حنبل في كتاب "الورع" ص 155.



العاشر: تعليم الناس بصغار العلم قبل كباره (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/893-2012-06-28-14-18-20.html)

تعليم الناس بصغار العلم قبل كباره (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/893-2012-06-28-14-18-20.html)


لقد وصف الله العلماء الربانيين بأنهم العالمون العاملون، قال تعالى: ."ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون"آل عمران:79
الرباني الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره. وهذا يقتضي العناية بتزكية الأنفس، والاتجاه إلى بناء الإنسان الذي هو محور الإصلاح والتغيير، وقد قال تعالى:" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"(الرعد:11)
فإن ما يتعلق بفروع الخلاف في المذاهب عموما أمور اتسعت لها أنظار العلماء، وقال فيها الأئمة بما ظهر لهم من الأدلة، فلا يسوغ أن تكون مثار خلاف ونزاع بين الناس، لأنها داخلة ضمن مسمى الاجتهاد والخلاف المعتبر الذي لم يزل العلماء يضعون الخلاف فيه ما بين راد ومردود عليه، ولم يقع بينهم ما يفسد الود أو يحدث شرخا في وحدة الأمة، فلا يستقيم أن يحمل المرء الناس على آراء اجتهادية مما يظنه صوابا، فيحدث بينهم خلافا وفتنة تضيع بسببها الأصول، من أجل إقرار فرع من الفروع لم يُلزم الله أحدا من المسلمين به، في حين أوجب عليهم لزوم الجماعة والاعتصام بالوحدة ونبذ الفرقة.




الحادي عشر: اجتناب المضايق المثيرة للخلاف (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/892-2012-06-28-14-16-12.html)


اجتناب المضايق المثيرة للخلاف (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/892-2012-06-28-14-16-12.html)


ومما يجتنبه الوعاظ والمرشدون طرق القضايا المستغربة التي لا طائل من طرقها ولا خير في الخوض فيها، مما شغف به بعض الناس الذين يتركون المحجة اللاَّحِبَة والقضايا الواضحة، وينقرون عن القضايا الشائكة المعتمة، التي لا تتضح فيها الرؤيا لذوي البصائر، فكيف بالعامي الحائر. وقد ورد النهي عن الخوض في الأغاليط، وما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»([1]). وفي الحديث «نهى رسول الله r عن الأغلوطات»([2]). قال الأوزاعي: يعني شداد المسائل، والمراد بذلك النهي عن البحث والتنقير عن المسائل التي لم تقع، مما هو ضياع جهد ونصب ليس وراءه أرب.
ذلك أن إثارة مثل هذه القضايا مسلك أكيد المزالق، وكم من متكلم فيها بسوء شتت الناس بذلك. ومن حكمة الإمام مالك ونضج منهجه اعتماده قاعدة سد الذرائع في كثير من المسائل المفضية إلى الشرور والفتن، واعتبار قاعدة مراعاة الخلاف لتوحيد شمل الأمة، ورحمة بالعقل المسلم أن يتيه وتضيع جهوده فيما لا يُجدي الناس نفعا.

[1]- مسلم في مقدمة صحيحه 1/11 وهو من كلام عبد الله بن مسعود.

[2]- أخرجه أحمد 5/435 والطبراني في الكبير 19/386 وفي الأوسط 8/137.

الثاني عشر: سعة الأفق ونبذ الجمود والانغلاق (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/891-2012-06-28-14-15-42.html)

سعة الأفق ونبذ الجمود والانغلاق (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/891-2012-06-28-14-15-42.html)


إن من تمام الرشد وكمال عقل العالم سعة الأفق والنظر، ومنابذة الجمود الذي لم تأت به الشريعة، فإنما «الفقه الرخصة من ثقة، أما التشدد فكل الناس تحسنه» كما قال سفيان الثوري.
وقد بات التطرف اليوم شرا له قرون، رغم أنه آفة من الآفات التي ابتليت بها البشرية منذ قرون. ونحن -أمة الإسلام- أمرنا الله أن نكون أمة الوسطية والاعتدال، دونما تفريط ولا إفراط، ومن ذلك سلوك نهج الاعتدال في الأحكام والحذر من الوقوع في فتنة التكفير بالمعاصي التي هي أول بدعة ظهرت في الخوارج. إذ أن أهل السنة لا يُكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب ارتكبه ما لم يستحله. قال ابن أبي زيد القيرواني: "وأنه لا يُكَفَّرُ أحدٌ بذنْب من أهل القبلة."([1])
وقال القاضي عبدُ الوهاب: «فالمذنبون من أهل الملة مؤمنون مذنبون، ولا يخرجون بذنوبهم عن الإسلام ولا عن الإيمان، ولا تُحبِط ذنوبُهم إيمانَهم، هذا قولُ أئمة السنة وسلف الأمة. وقالت الخوارج: إن كل ذنب كُفْرٌ يخرج به صاحبُه من الإسلام، وقالت المعتزلة: إن الكبائر يخرج بها صاحبها من الإيمان إلى منزلة بين المنزلتين، لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، وقال بعضهم يسمى منافقا. والذي يدل عليه الدليل أن اسم الإيمان لا يزول عنه بتفسيقه، وأن فِسقَه لا يُخرِجُه عن كونه مُصَدِّقا بالله وبرسوله وكتُبه وشرائعه، وعن اعتقاده، لكون ما ركبه إثما ومعصية»([2]).
وقد كتب الله الخلاف كونا وتقديرا، فوجب حسن الفقه للتعامل مع هذا الواقع الذي لا يستقيم السعي في رفـع الخـلاف أو اجتثاثه منه، وذلك بسعة النظر، والحذر من الجمود والانغلاق، والتحذير من فتنة التكفير التي جنت منها الأمة شرورا واجتلبت من جرائها فتنا.
ولئن عقل المسلمون هذا التاريخ وتأملوا مآلات الأمور ومجريات الواقع للزِمُوا سنن هذا المنهج في سعة الأفق وعلموا أن الخير مبثوث في هذه الأمة، والعاقل من يعاشر كل طائفة على أحسن ما عندها.

[1]- مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني: 6.

[2]- شرح القاضي عبد الوهاب على عقيدة مالك الصغير: 123.

خلاصات عملية حول النظرية الاندماجية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/890-2012-06-28-14-14-57.html)

خلاصات عملية حول النظرية الاندماجية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-38-06/135-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC%D 9%8A%D8%A9/890-2012-06-28-14-14-57.html)


هذه مجموع خلاصات عملية حول النظرية الاندماجية كما جاء بها دليل الإمام والخطيب والواعظ:
1. إن الإمام نائب عن أمير المؤمنين، ومن واجبه أن يحفظ أمن الأمة الروحي ويحترم اختياراتها.
2. يفترض في الإمام باعتبار مقام النيابة عن إمارة المؤمنين المتضمنة للوراثة النبوية التي أقامه الله فيها أن يتمثل حسن الأسوة، فإنما جعل ليؤتم به، وإنما الأمة تبع لأئمتها وعلمائها.
3. طاعة ولاة الأمر ولزوم الجماعة ونبذ الفرقة أمر واجب شرعا لم ينازع فيه سوى أهل الأهواء.
4. الخلاف في الدين شر وهو من شيم أهل الأهواء ومصدر كل فتنة وفرقة، فعلى الإمام أن يحرص على وحدة الأمة، فإن من المستحب ترك المستحب لتأليف القلوب.
5. وحدة الأمة مطلب شرعي واجتماعي وسياسي يتحقق به أمن الفرد والمجتمع واستقراره.
6. التصوف السني مسلك أصيل في الزهد وتزكية الأنفس، وهو اختيار أسلافنا منذ أمد بعيد، فالحفاظ عليه حفاظ على مقومات الأمن الروحي للبلاد.
7. رعاية المذهب المالكي رعاية لمنحى الوسطية والاعتدال، وضمان لسلوك الناس سبيل النمط الأوسط الذي يلحق به التالي ويرجع إليه الغالي.
8. من فقه الداعية إماما و خطيبا ترتيب الأولويات في فقه التوجيه والإصلاح، وذلك من سنن الله في التغيير وسير قوانين الكون والتاريخ والاجتماع الإنساني.
9. الدعوة بالحكمة والتأني والتدرج في الإصلاح سنة الأنبياء والمصلحين، ومن فاته حظه من ذلك كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
10. تعليم الناس بصغار العلم قبل كباره يقتضي العناية بتزكية الأنفس وبناء الإنسان الذي هو محور الإصلاح والتغيير.
11. من فقه الإمام وحكمته اجتناب المضايق المثيرة للخلاف، وما يثير نوازع الفتنة بين المسلمين.
12. كما يحتاج الإمام إلى التحلي بسعة الأفق في مسائل الخلاف، اجتنابا للجمود والانغلاق.


[1] - حلية الأولياء لأبي نعيم 6/332 والانتقاء لابن عبد البر80 وترتيب المدارك للقاضي عياض والديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لابن فرحون: 1/25 .


الوعظ والإرشاد (http://www.habous.net/2012-01-27-14-35-38.html)

الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38.html)


يكتسي الوعظ والإرشاد أهميته في الإسلام من حيث هو وظيفة دينية تربوية وتعليمية، مرجعها الاشتغال بوظائف النبوة الأربعة المذكورة في كتاب الله في أكثر من سياق، منه قوله تعالى: "لقد من الله على المومنين إذ بعث فيهم رسولا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"(آل عمران:164)
والعلماء هم الوُرَّاثُ لذلك، على سبيل الاتباع والتأسي بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"(التوبة:122)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العلماءَ وَرَثَةُ الأنبياء)([1]).
وبما أن عملية الوعظ ترجع إلى الجانب التربوي من وظائف النبوة المذكورة في الآية، كما أن عملية الإرشاد ترجع إلى الجانب التعليمي منها؛ فإن العمليتين معا تعتبران سيفا ذا حدين: قد تؤديان بالناس إلى زكاة في الأنفس، وصلاح في الأخلاق، واستقامة في المفاهيم والمواقف والتصورات، كما قد تؤديان إلى عكس ذلك تماما! و ذلك إذا تصدى لهذا الشأن من ليس من أهله، خرق قواعد العلم و أصول الأدب في شأن الوعظ والتعليم. و لذلك كان قول النبي صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح: (إن الله تعالى لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ من العبادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً؛ اتَّخَذَ الناسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا..!)([2])
ومن هنا مست الحاجة إلى تسليط بعض الضوء على هذين المفهومين و مقاصدهما التربوية والتعليمية، في سياق العمل الديني.
وبيان ذلك بحول الله هو كما يلي:


الوعظ والإرشاد تنميةٌ روحيةٌ (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/912-2012-06-28-15-43-40.html)

الوعظ والإرشاد تنميةٌ روحيةٌ (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/912-2012-06-28-15-43-40.html)


إذا كانت وظيفة الوعظ التزكية في الإسلام فإن غايته المقاصدية إذن هي تحقيق تنمية روحية للمؤمن؛ بنقله من حال الغفلة إلى حال الذكرى، أو بترقيته إلى مدارج الإيمان تذكرةً وتربية. ومن هنا ارتبط مصطلح "الوعظ" في القرآن بهذه الغاية تصريحا، كما في قوله تعالى: ذلك يوعظ به من كان منكم يومن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون"(البقرة:232)
وقوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمومنين"(يونس:57)
وقوله سبحانه: "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمومنين"(هود:120)
وقال جل وعلا: "يعظكم لعلكم تذكرون" (النحل:90)
إلى غير ذلك من النصوص التي تكشف عن مفهوم الوعظ؛ بما هو تربية إيمانية، وتزكية روحية؛ حَدّاً وغايةً.
وأما الإرشاد في المجال الديني ؛ فإنه آيل في النهاية إلى المعنى الأول، أي الموعظة.
وقد أفاد لفظ الإرشاد معنى التعليم صريحا في الحديث الذي أخرجه الحاكم في مستدركه([1]) من طريق أبي الدرداء: أن رجلا لحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله "أرشدوا أخاكم" أي علِّموه.
فبيان الأصول الإيمانية، والأحكام الشرعية، وتعليم ما يصلح وما لا يصلح، من أمور العبادات والمعاملات؛ إنما غايته في الحقيقة عبادة الله ونيل رضاه، والتخلق بأخلاق التقوى والورع. فالْتَقَى مَفْهُومَا "الوعظ والإرشاد" في النهاية على غاية واحدة، وإن اختلفت صورهما العملية، ووسائلهما التربوية والتوجيهية.
ومن هنا؛ فقد استعمل القرآن مصطلح "الرشد" ومشتقاته في سياق التربية والتعليم، وكذا في سياق الهداية؛ بما هي نتيجة لهما. قال تعالى في سياق التعليم، في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: "قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا"(الكهف:66)
وقال في سياق الهداية: "من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا"(الكهف:17)
وقال على لسان الجن: "فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا"(الجن:1-2)
فغاية الوعظ والإرشاد إذن إنما هي تنمية حقائق الإيمان، وتطهير الأنفس ومجاهدتها في الله؛ تعليماً وتزكيةً.

[1]- مستدرك الحاكم 2/439 وقال عقيبه: صحيح لإسناد..




تنمية الروح أساس التنمية البشرية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/911-2012-06-28-15-29-45.html)

تنمية الروح أساس التنمية البشرية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/911-2012-06-28-15-29-45.html)


والإسلام إنما اعتمد هذه الوسيلة التربوية عينها؛ لإحداث التنمية -بشتى أبعادها- في العمران البشري المستخلف في الأرض. فالإنسان بما هو مكلف بعمارة الأرض وإصلاحها، وعدم الإفساد فيها؛ كان لا بد أن يستجيب لنداء السماء، من أمر الإيمان والهداية؛ لعله يكون من الراشدين. قال جل علاه: "قلنا اهبطوا منها جميعا فإما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"(البقرة:38).
وقال سبحانه: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليومنوا بي لعلهم يرشدون"(البقرة:186)
فهذا القصد إذا وضعه الواعظ أو المرشد نصب عينيه؛ أمكن بإذن الله أن يسير بوظيفة التربية والتعليم في المجال الديني إلى غايتها الحقيقية، وأمكن أن يتخلص من كل الشوائب التي تهدمها وتنقض فائدتها، وينجح فعلا في إخراج "المواطن الصالح" للناس تربية وتكوينا.
ذلك أن مفهوم "المواطن الصالح" الذي تسعى كل الأدبيات التربوية والقانونية في العالم لإنتاجه بشتى الوسائل، فتنجح حينا بصورة نسبية، وتفشل أحيانا أخرى فشلا ذريعا ؛ إنما هو مفهوم "الإنسان الكامل"، الذي تعرضه المفاهيم الدينية التربوية. حيث إن التنمية الروحية هي أساس التنمية البشرية في الإسلام، وهي مرجع العمران البشري في الأرض. يقول جل وعلا:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم باحسن ما كانوا يعملون"(النحل:97)
وقال في سياق عمران الأرض والابتلاء بالعيش فيها: "قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما ياتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"(طه:124)
فـ"الحياة الطيبة"، و "عدم الشقاء"، المنفيان عن المؤمنِ الذَّاكِرِ رَبَّه، ممن هو من أهل الهدى و الصلاح، كما ورد في سياق الآيتين؛ إنما هما جمال العيش الدنيوي، وكمال نعمته، و ضمان رزقه واستقراره، وتمام أمنه و أمانه، وكامل سلامته وعافيته. و قد ورد نحو ذلك في التفسير المأثور لمعنى "الحياة الطيبة"، فقد أخرج الإمام الطبري بسنده: (عن ابن عباس: "فلنحيينه حياة طيبة"، قال: الحياة الطيبة: الرزق الحلال في الدنيا)([1]). وضد ذلك إنما هي المعيشةُ الضَّنْكُ! وإنما يُتلافى ضَنْكُ العيش في الدنيا بضمان ثلاثة أشياء، هي: الأمن في الأنفس والأموال، والعافية في الأرواح والأبدان، والرزق الواسع الطيب الحلال. وكل ذلك هو جزاء الاهتداء بهدي الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ تربيةً وتزكيةً ؛ مما يحقق ما يسمى في الاصطلاح المعاصر الأمن النفسي والأمن الغذائي والأمن الصحي. وهي النعم الثلاث الكبرى التي ذكرها النبي الكريم في حديث شريف، حيث قال: (مَنْ أصبح منكم آمِناً في سِرْبِهِ، مُعَافى في جسده، عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها!)([2])
وهذا من المقاصد التبعية في الدين، مما ينجر مع المقاصد الأصلية، التي هي العمل للآخرة؛ فَيَمُنُّ الله بنعمته على العبد بصلاح دنياه؛ لِمَا اشتغل به من صلاح أخراه.
والسعي إلى ذلك بإصلاح الأنفس وتطهيرها مما يسوؤها ديناً وخلقاً؛ هو نموذج التربية المنشود والمقصود، والكل في الإسلام يسعى إليه. ويُبَلِّغُ اللهُ تعالى كلَّ مؤمن مبلغَه من مدارج الصلاح والتقوى؛ على قدر صدقه، وعلو همته في المجاهدة الروحية والتصفية النفسية. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.


[1]- جامع البيان: 14/170.

[2]- أخرجه الترمذي 3246 وابن ماجه 4141 وابن حبان 2/445 وأبو نعيم في الحلية 5/249 وهو حسن بشواهده.


التعارف الروحي أساس الاندماج الوطني (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/910-2012-06-28-15-22-23.html)

التعارف الروحي أساس الاندماج الوطني (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/910-2012-06-28-15-22-23.html)


تلك إذن هي الأرضية المنطلق للعمل الديني الساعي إلى إصلاح العمران البشري. ومن هنا كان أساسُ الاجتماع العمراني راجعا في الإسلام إلى تحقيق مفهوم التعارف الروحي، وتأسيس أعراف الخير والصلاح في الأمة. وعمل المرشد على ذلك فيه خير الأمة وصلاحها؛ دينا ودنيا. وبيان ذلك كما يلي:
يقول الله تعالى في آية التعارف العظمى:"يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(الحجرات:13)
فهذه الآية العظيمة مرجع فيما نحن فيه؛ من أن التعارف الاجتماعي إنما هو وسيلة للتعارف الروحي، وأن هذا هو أساس قوة ذاك. أي أن عقد الغاية على تمتين التعارف الروحي يجعل للتعارف الاجتماعي مغزى تعبديا أيضا. وبذلك يكون أقوى وأمتن. والوسيلة يُعطاها حكم المقصد، كما يقول الفقهاء في قواعدهم. ومن هنا قولنا بأن التعارف الروحي أساس الاندماج الوطني. إذ المواطنة ترجع بالأمة إلى أعراق منسجمة وثقافة مندمجة، في إطار رابطة الدين التي هي منشأ التعارف الروحي. ومن هناك نشأ ما نسميه بـ"الرحم الوطنية الكبرى"، التي تراكمت ثقافتها الأسرية عبر التاريخ.
وما أدق كلام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية المذكورة، حيث قال رحمه الله: (جميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء - عليهما السلام - سواء. وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله تعالى، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى - بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضا - مُنَبِّهاً على تساويهم في البشرية: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"؛ أي: ليحصل التعارف بينهم، كل يرجع إلى قبيلته (...) وقوله تعالى: )إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ( أي: إنما تتفاضلون عند الله تعالى بالتقوى لا بالأحساب)!([1]) فآل أمر التعارف إلى المعنى الروحي من بعد ما بدأ اجتماعيا. ولهذا ساق الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر !" ([2]).
والرحم في الإسلام معنى تعبدي صرف، مرجعه قوله تعالى: يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" النساء 1
فالرحم معنىً يُتَّقَى كما يُتقى اللهُ جل جلاله، أي أنها رابطة في الله تُحفظ لها حقوقها حفظا في سياق عبادة الله تعالى.
فآل "التعارف" في نهاية المطاف إلى معنى التكامل والانسجام، على مستوى المعاني الروحية، وإلى تأسيس أعراف الخير في العلاقات الاجتماعية؛ عبادةً لله الواحد القهار. وإنما "يتعارف" الناس على قِيَمٍ معينة، يحددها الدين أو العرف أو الثقافة أو غير ذلك. والإسلام حدد قيم الخير والجمال في الأمة، وبين فضائل الأعمال والأخلاق، وأسس عليها نظرية العمران البشري الإسلامية.

[1]- تفسير ابن كثير: 4/218.

[2]- أخرجه الترمذي 1979 والحاكم 4/178، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.




معَالِمُ التنمية الوطنية في سياق الوعظ والإرشاد (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/908-2012-06-28-15-14-01.html)

معَالِمُ التنمية الوطنية في سياق الوعظ والإرشاد (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/908-2012-06-28-15-14-01.html)


إن تأسيس الخطاب الديني لدى الوعاظ والمرشدين على هذه المقاصد التربوية الكبرى، مما بيناه سابقا ؛ من شأنه أن يسهم إلى حد بعيد في تنمية بشرية متكاملة؛ روحيا، واجتماعيا، وسياسيا، وثقافيا، واقتصاديا...إلخ. وتكامل ذلك كله في الإنسان هو معنى "المواطن الصالح" المرجو، وهو أعلى ما يطمح إليه الفكر الاجتماعي في مفهوم "المواطنة"، ومعنى "الوطنية". ولذلك تجلياتٌ شتى ومَعَالِمُ كثيرةٌ في الخطاب الوعظي الإسلامي، نذكر منها ما يلي:


الإخلاص للأسرة الوطنية الكبرى



الإخلاص للأسرة الوطنية الكبرى (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/907-2012-06-28-15-08-54.html)

الإخلاص للأسرة الوطنية الكبرى (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/907-2012-06-28-15-08-54.html)


إن من أهم المعالم التي ينبغي أن يتحلى بها الوعظ والإرشاد في العمل الديني ؛ الارتباط بمفهوم الوطن، بما هو أسرة واحدة، ورَحِمٌ مشتركة. وذلك بجعل الخطاب الوعظي مربيا على الإخلاص للأمة. ولا يتحقق ذلك للعبد إلا إذا ارتقى إخلاصه إلى مستوى الإيمان. وهنا تكون المصالح العليا للبلاد هي الراجحة في جميع اختياراته، وكل مواقفه وتصوراته وتصرفاته. وبذلك يتحقق بأخلاق الوطنية الحقة والمواطنة المندمجة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحن إلى مكة ويقول: (ما أطيبك من بلد ! وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك!)([1])
وفقه الواجبات الكفائية يخدم هذه الحقيقة في الإسلام، لمن أحسن الاستفادة من مقاصده ومعانيه الكلية. إذ العاملُ بالواجب الكفائي متجردٌ من حظه، داخلٌ في خدمة دينه، قائم بحق ربه؛ بخدمة حقوق خَلْقِه. وهذا من أجَلِّ المعاني وأرفعها في الدين، في مجال تزكية الأنفس، بما يجعلها فانية عن حظها باقية بشهود حق ربها. ولذلك لما فكر المسلمون في الحقوق؛ فكروا أول ما فكروا في الرعاية لحقوق الله ؛ لأن القائم بحق الله قائم بحق خلقه بالضرورة. وفي هذا السياق تكون مقولة "حقوق الإنسان" -بالمنظور الإسلامي- مندرجة ضمن مفهوم التعبد أصالةً.


[1]- أخرجه أحمد 4/305 والترمذي 3925 وقال هذا حسن غريب من هذا الوجه، وابن ماجه 3108 والطبراني 10/270 والحاكم في المستدرك 3/7 وقال هذا حديث صحيح الإسناد.


الإيمان بالوطن محبةً وخدمةً (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/906-2012-06-28-15-07-42.html)

الإيمان بالوطن محبةً وخدمةً (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/906-2012-06-28-15-07-42.html)


لا شك أن التعريف بالوطن من خلال مفاهيم الوطنية والمواطنة، بمرجعيتها الدينية كما بيناه آنفا هو من أهم المعالم التي يجب أن تؤطر العمل الوعظي في هذا العصر، خاصة ونحن في زمان سقطت فيه الحواجز، وتقاربت فيه المسافات، وتحطمت فيه أسوار الخصوصيات! فتيسر التعرض للشر كما تيسر التعرض للخير ! ومن هنا صارت كثير من المفاهيم مهددة بالضعف، أو بالتلاشي والاندثار من مجال التداول الاجتماعي ؛ وذلك إذا لم تجد من يجددها ويحييها. والوطن بما هو خصوصية ذاتية على كل المستويات العمرانية والدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعيـة؛ في حاجة إلى خدمة دائمة في هذا الجانب، أي التربية على ترسيخ مفاهيمه الكلية وخصوصياته الوجودية.
والوطن ليس مجرد خريطة ترابية فحسب؛ ولكنه -فوق ذلك ومعه- انتماء حضاري، وتراكم تاريخي، ونظام سياسي، ومنظومة ثقافية متكاملة ومنسجمة، ورَحِمٌ اجتماعيةٌ راسخة. والحفاظ عليه وتنميته -بهذا المعنى- هو حفاظ على وجودنا الحضاري وتنمية له، وترسيخ لخصوصياتنا واستقلالنا، في سياق الانفتاح على العالم، كل العالم، بلا عقد ولا خوف، بل بمعنويات عالية، وبقوة المنتج لا المستهلك فحسب. ولذا كان الإيمان بالوطن إيمانا بأنفسنا. ولا وجود لمن لا يؤمن بنفسه! ولذلك كان أول واجب على الرسل عليهم الصلاة (http://www.habous.net/component/content/article/285-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9/2355-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9.html) والسلام؛ أن يؤمنوا بأنفسهم هم أولا! قال عز وجل: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون"(البقرة:285)
ولا شك أن عرض المفاهيم الوطنية بعمقها الحضاري، وانتمائها الديني؛ سيعمق محبة الوطن في النفوس، ويجدد عهده في القلوب، ويضمن استمرار الثقافة الوطنية عبر الأجيال([1]).
والخطاب الديني هو الأجدر بحمل هذه الرسالة؛ بما يملك من إمكانات روحية على المستوى التربوي، وقدرات طبيعية على التخليق بالتصورات والمفاهيم.


[1]- يراجع كتاب "حب الأوطان من الإيمان".


الإيجابية الإنتاجية في الوعظ والإرشاد (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/905-2012-06-28-15-05-45.html)

الإيجابية الإنتاجية في الوعظ والإرشاد (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/905-2012-06-28-15-05-45.html)


والمقصود بالإيجابية الإنتاجية المشاركة الفعالة في بناء المجتمع، والانخراط الصادق في تمتين نسيجه الاجتماعي. وإنما يكون هذا عندما تتعلق القلوب بحب ذلك المجتمع. وبما سلف ذكره من منهجية وعظية تتعرف الأجيال على بلادها ووطنها تعرفا ذوقيا. أعني أنها تتذوق حلاوةَ أنَّ لها وطنا. وهو وطن لا كالأوطان! فهذا المعنى قد يغيب عن بعض الناس. فالواعظ عليه أن يقوم بتذويق معنى المواطنة والوطنية للمؤمنين؛ إذ الخطاب الوعظي وحده هو الأقدر على هذه المهمة؛ لأن المعاني الروحية والمواجيد الذوقية التي تؤطر المفاهيم الوطنية إنما هي مشاعر وأحاسيس. والأقدر على توجيهها وتنميتها إنما هو الدين والتدين، بما هو مواجيد وأذواق.
وبذلك يشعر الإنسان شعورا تعبديا بأنه مسؤول عن هذا الوطن؛ فتنشأ لديه الغيرة الوطنية، ويبادر إلى المشاركة الفعالة الصادقة، في بناء البلاد والعباد، والإخلاص والتضحية في سبيل ذلك كله. وبذلك تختفي - بإذن الله - كثير من الظواهر المرضية، المشعرة باليأس والقنوط، أو التي تغلق باب الأمل في وجه الشباب؛ مما قد يجر إلى الأمراض الاجتماعية، والأزمات النفسية، التي تفرز شرائح من الناس تتنكر لهذا الوطن وقيمه، وتنعزل عن مسيرته التنموية والإصلاحية. فيؤول أمرها إلى نوع من (الخوارجية) الشاذة المقلقة!
فالخطاب الوعظي الصادق الذي يستلهم المقاصد الوطنية؛ هو أكبر علاج لمثل تلك الأمراض، وهو قبل ذلك ينتج نفسية متفتحة، قابلة للحوار، والأخذ والعطاء، مؤمنة بوطنها، مشاركة - بصورة فعالة - في بنائه. وهو ما سميناه بـ"النفسية الاستيعابية" في التربية الوطنية. وبيان ذلك هو كما يلي:
الوعظ والإرشاد وصناعة النفسية الاستيعابية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/904-2012-06-28-15-02-44.html)

الوعظ والإرشاد وصناعة النفسية الاستيعابية (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/904-2012-06-28-15-02-44.html)


عندما يؤمن الإنسان بوطنه فإنه يتبنى شعبه، سواء في ذلك حسناته وخطاياه! كيف ذلك؟
كل الناس يحبون أن يحمدوا على فعل الحسنات، ولكنهم يتبرؤون من السيئات، والمؤمن بوطنه وحده يتبناها؛ بمعنى أنه يراها جزءا منه، ومن مشاكله هو، لا من مشاكل غيره. فيبادر إلى علاجها بإيجابية وصدق، كما يعالج جرحا في جسده أو ألما في قلبه. فلا تنقلب ملاحظاته في هذا الشأن عداوة للمجتمع، وبغضا له! بل تكون محبة له وإشفاقا عليه! وهو معنى أصيل في الإسلام، أصله قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(اُنْصُرْ أخَاك ظالِماً أو مظلوماً، فقال رجلٌ: يا رسول الله! أنْصُرُهُ إذا كان مظلوماً، أفرأيتَ إذا كان ظالماً؛ كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإنَّ ذلك نَصْرُهُ!)([1])
فهو إذن "أخوك"، حتى ولو كان مخطئاً وظالِماً، وما ينبغي إقراره على الخطأ، ولكن لا يجوز - في الآن نفسه - التنكر له ومقاطعته، بل نُصلح خطأه تربويا. وهذا كمال مفهوم المواطنة في بُعدها الاستيعابي، القائم على الحوار والمناصحة والمحبة. وهو معنى "النصيحة" في قول رسول الله صلى الله عليـه وسلـــم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.)([2])
وعندما يكون ذلك عملا استيعابيا صادقا حقا؛ فإنه لا يكون استفزازيا ولا عشوائيا ولا انتقاميا، بل يكون عملا علاجيا حكيما، هادئا مطمئنا؛ بما ترسخ لدى صاحبه من نفسية استيعابية إيجابية تجاه وطنه وأمته. ويترتب عن ذلك -بصورة تلقائية- علاج النفسية المضادة، وهي (نفسية الانغلاق) و(نفسية الصدام) في المجال الديني والسياسي والاجتماعي.
وإنما يستعين الواعظ أو المرشد على تحقيق تلك المقاصد، في خطابه التربوي والتعليمي -إضافة إلى مجهوداته الشخصية في التحصيل للحكمة والمتابعة للمستجدات في الحقل الديني- بتحقيق التواصل المستمر مع التوجهات الوطنية العامة للبلاد، ومعرفة الأمراض الاجتماعية، وطبائعها العقدية، وتجلياتها الدينية، مما تهب ريحه على البلاد والعباد، من هنا وهناك.
وإنما يتم ذلك للواعظ والمرشد بما يلي:


مراعاة التوجيهات السامية لأمير المؤمنين في الشأن الديني والوطني ؛
التواصل الدائم مع وزارة الأوقاف (http://habous.net/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9.h tml)والشؤون الإسلامية (http://www.habous.net/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A4%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D 8%A9.html) والمجالس العلمية؛ لضبط التصورات والتوجهات العامة لما فيه خير البلاد والعباد ؛
الاقتراب من المواطنين، وخاصة فئة الشباب منهم، والإنصات إليهم، وتلبية حاجاتهم العلمية والتعبدية، وإرواء عطشهم الروحي، بما يعمر حياتهم بالإيجابية، ويقضي على ردود الفعل العدمية. وتلك هي المهمة العظيمة والمسؤولية الكبرى التي ناطها أمير المؤمنين بالعلماء.

وعليه، فمما يجدر التذكير به في هذا الإطار، ما ورد ضمن الخطاب السامي الذي ألقاه أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس - أعزه الله وأيده - توجيها للمجالس العلمية بالمغرب، حيث قال جلالته في سياق تحديد وظائفها: (لتقوم من خلال انتشارها عبر التراب الوطني بتدبير الشأن الديني عن قرب، وذلك بتشكيلها من علماء مشهود لهم بالإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها، والجمع بين فقه الدين والانفتاح على قضايا العصر، حاثين إياهم على الإصغاء إلى المواطنين، ولاسيما الشباب منهم، بما يحمي عقيدتهم وعقولهم من الضالين المضلين!)([3]).

[1]- أخرجه أحمد 3/201 والدارمي 2/401 والبخاري 2443 والترمذي 2255 والطبراني في الأوسط 1/203 والبيهقي 6/94.
[2]- أخرحه الحميدي 837 وأحمد 4/102 ومسلم 55 والنسائي 4197 وأبو داود 4944 والطبراني 1262.

[3]- من خطاب جلالته غداة تنصيب المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية بفاس. الجمعة 30 أبريل 2004.



خلاصات عملية حول الوعظ والإرشاد (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/903-2012-06-28-14-57-45.html)

خلاصات عملية حول الوعظ والإرشاد (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-38/134-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%B4%D8%A7%D8%AF/903-2012-06-28-14-57-45.html)


ويمكن تلخيص موضوع الوعظ والإرشاد كمحور ثان في دليل الإمام وكأساس يتم الانتقال به من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية، في المسائل العملية التالية:


اعتماد الخطاب الوجداني القلبي أثنـاء الوعـظ والإرشـاد - تقريبا وتحبيبا - لتنمية المعاني الروحية في الإنسان التي هي أساس التنمية العمرانية الشاملة ؛
تعميق الاندماج الوطني بالحض على الفناء في الأسرة الوطنية الكبرى ؛
تأكيد الإيمان بالوطن محبةً وخدمةً ؛
تشجيع الإيجابية الإنتاجية بالحض على الاعتماد على النفس، وعدم التواكل ؛
صناعة النفسية الاستيعابية بتربية الناس على قبول الرأي الآخر.



مراعاة المحيط الدولي (http://www.habous.net/2012-01-27-14-35-18.html)

تدبير الشأن الديني ومراعاة المحيط الدولي (http://habous.gov.ma/2012-01-27-14-35-18.html)


إن التغيرات العالمية والتفاعل الحضاري عبر التاريخ الإسلامي فرض على المسلمين أن يعيشوا في ظل أمة إنسانية ومحيط عالمي تحكمه قوانين التعايش السلمي، مما يقتضي نوعا من الفقه والحكمة في تدبير العلاقات ومراعاة التغيرات العالمية والقوانين الدولية التي لا تعارض أحكام الشريعة.
كما يوجب ذلك حفظ حقوق الآخرين التي أوجب الله رعايتها، وحرم على أي مسلم انتهاكها، ومنها دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، مع حفظ حسن الجوار، ورعاية العهود والمواثيق، ومن ثم فإنه لا يجوز التعرض لمعتقدات المخالفين بالسب أو الإهانة أو التجريح، امتثالا لقول الله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم"(الأنعام:108)
ومن المعاني والمعالم السامية التي يجب التذكير بها ومراعاتها في هذا المضمار ما يلي:


الوفاء بالعهود والمواثيق (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1413-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%87%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D 9%82.html)

الوفاء بالعهود والمواثيق (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1413-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%87%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D 9%82.html)


إن هذه الشريعة عدل كلها ورحمة كلها جاءت بما يوافق مصالح الإنسانية جمعاء، ولا حرج ولا ضير إذا وافق الإسلام جميع عقلاء الأرض في تقرير الحقوق ورعاية المصالح والدفاع عن المظالم ونبذ الشرور من هذا العالم.
ذلك أن اعوجاج مفاهيم بعض الناس جعل بعضهم يتوهم أن الموافقة والمجانسة لما في المواثيق الدولية نوع من المداهنة والاستهانة بأحكام الشريعة، وليس الأمر كذلك كما نبه إلى ذلك غير واحد من العلماء ممن رصدوا هذه الأغاليط التي وقعت في الدين بسبب جهل الجاهلين، وفي ذلك يقول ابن القيم: « هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث ؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها»([1])
وقد شارك النبي صلى الله عليه وسلم قومه في مواثيق حسن الجوار، والدفاع عن حقوق العباد، ورفع المظالم، فكان «يَحْمِلُ الكَلَّ ويُكسب المعدوم ويُعين على نوائب الحق»([2]) وأقر ذلك بعد البعثة النبوية، لأن هذه المكارم الإنسانية مما لا تختلف فيه الشرائع والأديان، وقد ندبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فعل كل خير، والتوافق عليه مع غيرنا من الشعوب والأمم حيث قال كما في حديث طلحة بن عبد الله بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعى به في الإسلام لأجبت»([3]).
قال البيهقي: «قال القتيبي فيما بلغني عنه، وكان سبب الحلف أن قريشا كانت تتظالم بالحـرم، فقـام عبد الله بن جدعان والزبير بن عبد المطلب فدعاهم إلى التحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابهما بنو هاشم وبعض القبائل من قريش»([4]).
ولذلك وجب أن يحفظ المسلمون ما وافقوا عليه من عهود ومواثيق تربطهم بسائر الشعوب والأمم في ظل الشريعة، فإن حسن العهد من الإيمان. ومن ذلك حفظ المواثيق المبرمة في علاقات التعايش السلمي وحسن الجوار بين المسلمين وغيرهم من الشعوب والأمم، كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" (المائدة:1)
و هو خطاب عام يشمل العقود المبرمة بين أهل الإسلام داخل الأمة الواحدة، وغيرها من العهود والمواثيق الدولية المبرمة بين المسلمين وغيرهم من الأمم، كما أوجبت الشريعة الإسلامية رعاية حقوق المستأمنين وأهل الذمة في بلاد المسلمين، فإن حسن العهد من الإيمان، وخفر الذمة من أخلاق أهل الخسة والدناءة، وقد ذمته جميع الشرائع وكانت تستقبحه العرب في الجاهلية، ويأباه العقلاء وأولو المكارم، فضلا عن كونه جريمة وخطة سوء في شريعة الإسلام.
ومفاد ذلك أن الله حرم على المسلمين نقض عهود الاستئمان وحسن الجوار، والتعدي على حرمات غير المسلمين سواء في بلدانهم أو بلاد الإسلام، وفي ذلك يقول تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"(الممتحنة: 8)

[1]- إعلام الموقعين: 3/3.
[2]- أخرجه البخاري 2 ومسلم 160.
[3]- أخرجه البيهقي 6/367.

[4]- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 6/367 حديث 12859.





الإسلام ينعم في ظل الحوار وحسن الجوار (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1414-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%86%D8%B9%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B1.html)

الإسلام ينعم في ظل الحوار وحسن الجوار (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1414-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D9%86%D8%B9%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B1.html)


إن الإسلام دين خاطب القلوب والعقول بدلائل التوحيد ونسمات الإيمان، وحرص على إقناع الناس بالحكمة ودعوتهم بالتي هي أحسن. ولم يكن الإكراه الفكري والعقدي أبدا سبيلا لدعوات الأنبياء عليهم الصلاة (http://www.habous.net/component/content/article/285-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9/2355-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9.html) والسلام، كما أنه لم يُعرف في تاريخ المصلحين دعوة انتشرت بحد السيف وقهر السلطان.
ومن المعروف في تاريخ الحضارة الإسلامية أن دعوة الإسلام ظلت تنعم بعهود الرخاء والسلام وتنتعش في ظلالها أكثر مما حصل من ذلك في عهود الفتن وأحداث المنابذة والخصام.
ولذلك هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة لما أصبحت دار حرب وفتنة للمسلمين، واستقر بالمدينة لينعم المسلمون بنعمة السلم والحرية، ولم تكن المنابذة وحد السيف في تاريخ الأمة إلا استثناء ودفاعا عن الأنفس، كما قال تعالى: "أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير"(الحج:39)
وقد تحقق للإسلام انتشار واسع في ظل هدنة الحديبية، لأن ما يتحقق في ظل الأمن والسلم لا يتحقق بالسيف والإكراه.
ولذلك حرص الإسلام على دعوة غير المسلمين بالحوار وحسن الجوار وجمال الأخلاق، وسار على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والأئمة الراشدون، فكان أكثر من أسلم من العجم وسكان الأمم المجاورة في مراحل السلم بين المسلمين وغيرهم، وذلك بسبب انسياب الدعوة والتأثر بأخلاق المسلمين والتفاعل الحضاري بين المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات.
ومن ثم فإنه لا حقيقة لما روجه بعض المغرضين في كتب التاريخ من أن الإسلام انتشر بحد السيف، لأنَّ من تفحص تاريخ الحضارة الإسلامية وجد عكس ذلك. والأصل الثابت كما قرره القرآن قوله تعـالـى:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"(البقرة:256)





لزوم النمط الأوسط ونبذ ظاهرة الغلو والتطرف (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1415-%D9%84%D8%B2%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%88%D9%86%D8%A8%D8%B0-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%84%D9%88-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.html)

لزوم النمط الأوسط ونبذ ظاهرة الغلو والتطرف (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1415-%D9%84%D8%B2%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%88%D9%86%D8%A8%D8%B0-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%84%D9%88-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.html)


الوسطية والاعتدال منهج به صلح أمر الأمة قديما، لفشو العلم وحسن الفهم، وهو المسلك الأصل الذي اختاره الله للمسلمين: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"(البقرة:143)
قال جمال الدين القاسمي: «من المعروف في سنن الاجتماع أن كل طائفة قوي شأنها، وكثر سوادها أن يوجد فيها الأصيل والدخيل، والمعتدل والمتطرف، والغالي والمتسامح، وقد وجد بالاستقراء أن صوت الغالي أقوى صدى وأعظم استجابة، لأن الوسط منزلة الاعتدال، ومن يحرص عليه قليل في كل عصر ومصر، وأما الغلو فمشرب الأكثر ورغيبة السواد الأعظم..وأول من فتح هذا الباب الخوارج..ثم سرى هذا الداء إلى غيرهم» ([1]).
وحين يقل أهل الاعتدال يسود الجنوح والتنطع، ويتكاثر دعاته ممن يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وهذا من آفات الناس في أي زمان.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك في حديث الْعِرْبَاض بْنِ سَارِيَةَ حيث قال:« فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»([2]). وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنة رسوله»([3]).
وقد قال علي رضي الله عنه «خير الناس هذا النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي»([4]) والنمط الأوسط هو منهاج النبوة وفيصل التفرقة بين حد الاعتدال وطرفي الغلو والتسيب. إذ المنهاج أصول التدين التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة علما وعملا، من لزوم هدي القرآن والسنة، ورعاية مقاصد الدين، والتسليم للشريعة عند التنازع.
ويجري هذا في الأصول والثوابت التي لا يسع مسلما خلافها، أما ما يتعلق بالوسائل الخادمة لهذه الأصول، فإنها تتجدد باختلاف الزمان والمكان، وبها يناط تجديد الدين وحسن تنـزيله على واقع المسلمين.
وظاهرة الغلو آفة قديمة حديثة تتجدد كلما وجدت القابلية في الناس لذلك، لقلة النضج العلمي، وسيادة الجهل، واستشراء سوء الفهم، والعصبية لهوى النفوس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»([5]).
وقد يكون الغلو الظاهر بسبب جنوح ذوي الأغراض السيئة ممن يصنعون تيارا من العوام لا يعرفون يمينا من شمال إذا غابت نجوم السماء.
قال الطاهر بن عاشور: «فالغلو في الغالب يبتكره قادة الناس ذوو النفوس الطامحة إلى السيادة أو القيادة، بحسن نية أو بضده إفراطا في الأمور، وذلك إما بداعية التظاهر بالمقدرة، وحب الإغراب لإبهات نفوس الأتباع، وتحبيب الانقياد.. أو حب الإكثار و الزيادة و التفريع في الأمور المستحسنة لديهم، فإن النهم في المحبوب من نزعات النفوس»([6]).
ولذلك لزم رد الناس إلى الأمر العتيق، ونشر العلم بينهم، وربطهم بالمذهب ؛ أُصُولِهِ وأدلته ؛ حتى لا يزهد فيه الجهال الذين يحسبون الدليل نصا مجردا يطير به المرء هنا وهناك، دون مراعاة ما توارد معه في منازع الخلاف.
وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه:«من كان مستنا فليستن بمن قد مات ! أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم» ([7]).
ان الإمام مالك رضي الله عنه كثيرا ما يشير إلى هذا المعنى ويقول: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».²

[1]- الجرح والتعديل، لجمال الدين القاسمي: 4.
[2]- أخرجه أبو داود 4/200 باب لزوم السنة، والترمذي 5/44، ابن ماجة في المقدمة حديث رقم43 والدارمي في السنن باب اتباع السنة:1/57. والحاكم في المستدرك: 1/175 وابن حبان:1/179.
2- رواه الحاكم:1/93، ومالك في الموطأ بلاغا: 1663.
[4]- مصنف ابن أبي شيبة:7 /100 حديث 34498.
[5]- أخرجه النسائي 3075 وابن ماجة 3029 وابن حبان 9/183.
[6]- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، للطاهر بن عاشور: 23.

[7]- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصفهاني: 1/305-306.





ترك الدخول في المضايق المثيرة للفتن (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1416-%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%AE%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%86.html)

ترك الدخول في المضايق المثيرة للفتن (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1416-%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%AE%D9%88%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%81%D8%AA%D9%86.html)


إن من الحكمة ترك المرء ما لا يغني شيئا ولا ينفع الأمة في ميادين التوجيه والسلوك، من الحديث عن القضايا المشكلة، والأمور العظيمة، والمضايق السياسية التي لو دخل فيها الواعظ أو الخطيب لم يدر وجه الخروج منها، فتكون فتنة ووبالا على عوام المسلمين، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[1] ويمكن فهمه على أنه: «ترك ما ليس من اختصاصه».
وحتى لو كان ما يتحدث فيه من الحق الذي جاءت به الشريعة، فإن مما جرى بين العلماء أنه «ما كل حديث صحيح تحدث به العامة» وأنه «يجوز السكوت عن بعض الحق»، إذا كانت عقول الناس لا تتسع لفهمه وتنـزيله في محله.
ذلك لأن تنـزيل الحق لم يرد في تاريخ الشرائع بضربة لازب، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس بكل شيء، وكذا الصحابة وأسلاف الأمة جروا على الإحجام عما لا يفهمه الناس وربما وضعوه في غير موضعه فكانت فتنة على المسلمين.
ولهذا قال علي رضي الله عنه: « لا تحدثوا الناس بما لا يعرفون أتريدون أن يُكذب الله ورسوله.» وقال عبد الله بن مسعود: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»([2]).
ولذلك نرى أنه لم يبق من الجهل شيئا من يرى ضرورة الكلام في كل شيء والدخول في شتى المضايق، مع التفريط والتقصير فيما ينفع الناس، لأن هذا لم يكن منهجا نبويا، ولا تركه العلماء رغبة أو رهبة، وإنما لحكمة لا يعقلها إلا العالمون.
ولا يخفى ما ثار على المسلمين اليوم من شرور وفتن بسبب الجهل والتنطع، ودخول أقوام فيما لا يحسنون، مع ما يلاحظ من فراغ شنيع، في مجالات التربية وإصلاح المجتمع.
ولذلك نماذج طويلة الذيل، والعاقل من اعتبر بالوقائع والأحوال، ونظر فيما يصلح حال الأمة في العاقبة والمآل.

[1]- أخرجه مالك في الموطأ مرسلا 2628 والترمذي 2317 وابن ماجه 3976.

[2]- مسلم في مقدمة صحيحه 1/11 وهو من كلام عبد الله بن مسعود.






مراعاة التكريم الإلهي للإنسان (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1417-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%87%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86.html)

مراعاة التكريم الإلهي للإنسان (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1417-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%87%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86.html)


مما امتازت به الشريعة الإسلامية في تكريمها للإنسان أنها بوأته مقام الاستخلاف في الأرض ليعمرها بالخير ويحميها من الفساد، ويستثمر في ذلك ما هيأ الله له فيها من العوالم والمعايش حتى يمكّن فيها لسنن الاستخلاف بإقامة الحق والعدل والإصلاح.
ولهذا لم يكن تمييز الله للإنسان في مقامات الحياة الدنيا بالشكل أو اللون وإنما كان بالعلم ومدى التحكم في قوانين الكون كما قال: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"(البقرة:30-33)
وهذا التمييز بالعلم والتحكم في سنن الله الكونية هو معيار التفاضل بين الناس في الدنيا، وهو المعيار الموضوعي لنهضة الشعوب وتقدمها، كما أنه في الوقت ذاته ميزان خيرية الأمة الإسلامية إذ به يحصل لها التمكين في الأرض وإدراك مقام الريادة والشهادة على الناس.
كما كرم الله الإنسان بأن ضمن له حقوقا في «حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال» وأنزلها منزلة الضرورات التي لا يجوز إهدارها أو التنازل عنها حتى يستحق الإنسان مقام الاستخلاف في الأرض، ويكون قادراً على حماية الحضارة والمجتمع من الفساد.



رعاية حقوق الإنسان كما قررها الإسلام (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1418-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%82%D8%B1%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85.html)

رعاية حقوق الإنسان كما قررها الإسلام (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1418-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%82%D8%B1%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85.html)


كرم الله الإنسان بأن ضمن له حقوقا في «حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال» وأنزلها منزلة الضرورات التي لا يجوز إهدارها أو التنازل عنها حتى يستحق الإنسان مقام الاستخلاف في الأرض، ويكون قادراً على حماية الحضارة والمجتمع من الفساد.


حق الحياة (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1419-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9.html)







حق الحياة (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1419-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9.html)


وهو حق واجب شرعا مصون ومقدس في الإسلام وفي جميع الشرائع السابقة، لا يجوز لأحد أبدًا أن يعتدي عليه لأن الإنسان خَلْق الله وبنيانه، وملعون من هدم بنيان الله. فحرص الإسلام على حماية حياة الإنسان من أيِّ عدوان عليها. وعدَّ قتل إنسان بغير حق شرعي جريمة من أعظم الكبائر التي توجب لصاحبها غضب الله ولعنته، واعتبر إزهاق النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق كقتل الناس جميعًا كما قال تعالى:"من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"(المائدة:32)
ولما كان حق الحياة واجب الحفظ حرّم الإسلام على الإنسان أن يتخلص من حياته فيدمّرها بالانتحار ونحوه، واعتبر من فعل ذلك كمن قتل غيره متعمدا يعاقب بالعذاب الأليم. وهذا مما تلتقي فيه المواثيق الدولية مع الشريعة، كما حرم على الأفراد والجماعات أن يقتلوا أنفسهم أو يقتلوا غيرهم بأنواع الممارسات التي تضر بالصحة وتُؤَدِّي إلى دمار النوع الإنساني، كتيسير إدمان الخمور والمخدرات وغيرهما مما يسقط الإنسان في هاوية الإدمان الذي ينتهي في حالات كثيرة إلى الجنون أو الانتحار.
كما حرم الاشتغال بصنع كل وسائل الدمار التي تدمر النوع الإنساني وتبيد الحرث والنسل، واعتبر ذلك من الفساد في الأرض. قال تعالى:"وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد"(البقرة:205)
فهذه العهود والمواثيق التي ترعاها الشريعة الإسلامية، إنما هي لصيانة حياة الإنسان وحماية حقه في الحياة.


حق الحرية والعيش الكريم (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1420-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85.html)

حق الحرية والعيش الكريم (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1420-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85.html)


وهذا الحق لا يقل أهمية عن الاهتمام بحق الحفاظ على الحياة، إذ به يتعلق تقرير بقية الحقوق والدفاع عنها، وقد كفله الإسلام، وسارت على ذلك جميع المواثيق الدولية، وكان لأسلاف المسلمين عناية عظيمة بتحرير الإنسان من العبودية. وهو ما عبّر عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟".
والإسلام في تقريره حق الحرية لم يجعلها شعاراً أو كلمات قابلة للتغيير والتبديل، وكذلك لم يجعلها مرتبطة بظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها.. وإنما جعلها حقا ملازما للحياة لا يصح أن يستغنى عنه. وقد أكد ذلك ربعي بن عامر رضي الله عنه حين دخل على رستم الفارسي وهو «يزج النمارق والبسط... فكلمه فقــال: ما جاء بكم ؟ قال: الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإســلام ! »([1])


[1]- تاريخ الطبري: 2 /401.



رعاية حق الإنسان في المساواة (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1421-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A9.h tml)







رعاية حق الإنسان في المساواة (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1421-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A9.h tml)


وهذا الأصل قرَّرَتْه الشريعة ونادت به المواثيق العالمية، وأساس هذه المساواة في النشأة وفي أصل الخلقة. فالناس جميعاً أبناء آدم وحواء كما قال تعالى: "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(الحجرات:13)
وهذه الآية تقرر أن الاختلاف في الألوان والأجناس، وبين الشعوب والقبائل، لا يراد به مطلقاً أي تمييز بين أسود وأبيض، وعظيم ووضيع، فالكل أمام الله سواء، والكل عباد الله وخلقه، لا يتمايزون بأحسابهم وأنسابهم ولا بأوضاعهم الاجتماعية، وإنما يتمايزون في الدنيا بالعلم والعمل الصالح، وفي الدنيا والآخرة بالتقوى.
وهذا المعنى نفسه هو ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بالْآبَاءِ ؛ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ([1])
كما أكد ذلك صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع التي كانت دستورا مجملا لرسالة الإسلام والتي ذكّر فيها بإقرار مبدأ المساواة بين الناس ورعاية حقوق النساء في قوله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَـذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَبَلَّغْـتُ ؟ قَالُـوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِب»!([2]).
على أن هذا الإعلان التاريخى عن مبدأ المساواة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعارات، وإنما يجب تطبيقه في شتى المجالات.
فقد جاء أسامة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أحب الناس إليه- يشفع في فاطمة بنت الأسود المخزومية وكانت قد سرقت قطيفة وحلية ووجب تطبيق حد السرقة عليها بقطع يدها.. لكن النبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً وأبى ذلك. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا! « ([3]).
وأقيم الحدّ على المخزومية.
كما أنصف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قبطيا مصريا ضربه ابن عمرو بن العاص والي مصر آنذاك، واستدعى عمر الضارب والمضروب ومعهما عمرو بن العاص والد الضارب، ثم أعطى عمر ابن الخطاب السوط للمصري المعتدى عليه وأمره أن يقتص لنفسه من ابن حاكم مصر ويضربه - أمام أبيه - كما ضربه..
وهكذا كان المجتمع المسلم الأول مستظلاً بظل المساواة كما قررها القرآن والسنة النبوية، فعم العدل والإنصاف جميع طبقات المجتمع، ونشأت على ذلك أجيال يحترم فيها كل إنسان حق غيره ويحافظ عليه.

[1]- أخرجه أبو داود في الأدب 4452، والترمذي في المناقب 3891، و قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[2]- أخرجه أحمد في المسند 22391، والبيهقي في شعب الإيمان: 5137.

[3]- أخرجه البخاري، في أحاديث الأنبياء: 3216.


حِرمة الدماء والأموال والأعراض (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1422-%D8%AD%D9%90%D8%B1%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%B6.h tml)

حِرمة الدماء والأموال والأعراض (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1422-%D8%AD%D9%90%D8%B1%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%B6.h tml)


قررت الشريعة حرمة الاعتداء على أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، حفظا للنظام الاجتماعي والأخلاقي من الاختلال، وقد أعْلَنَ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حجة الوداع حيث قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»([1]).
وقد حدِدت الشريعة العقوبات الشرعية لمن ينتهكون الحرمات ويسعون في الأرض فسادا بإشاعة الفاحشة والرعب والفوضى. كما قررت مجموعة من الآداب الاجتماعية التي تحمى الأفراد والمجتمع كله من التورط في معصية هتك حرمات البيوت والأسر، والاطلاع على ما لا يحل الاطلاع عليه من أسرار الناس.
ومن المعلوم أن حفظ الدماء والأعراض والأموال لا تمييز فيه في الإسلام بين مسلم وغير مسلم، لأن الشريعة كفلت ذلك لكل إنسان كيفما كان دينه ولونه وجنسه، وحرمت الاعتداء على هذه الحرمات.


[1]- أخرجه الدارمي 2/44 ومسلم 1218 وأبو داود 1905 وابن حبان 4/310 والبيهقي 5/7.



رعاية حقوق المستضعفين في الأرض (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1423-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B6%D8%B9%D9%81%D 9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6.html)







رعاية حقوق المستضعفين في الأرض (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1423-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B6%D8%B9%D9%81%D 9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6.html)


وهذا الحق من القسمات الحضارية النبيلة والجليلة في الإسلام، إذلم تقتصر رسالة الإسلام بعنايتها على المسلمين فحسب ؛ بل شملت الإنسان مسلما كان أو غير مسلم ؛ حتى جعلت الدفاع عن المستضعفين في الأرض واجبا على الإنسان المسلم.
ولأن المستضعفين في الأرض موجودون في جميع أنحاء الأرض، والإسلام رسالة عالمية ؛ فهو لهذا يوجب على الإنسان المسلم الدفاع عن هؤلاء المستضعفين والانتصار لهم، وذلك في دعوته المسلمين للقيام بهذا الواجب كما في قوله تعالى:"وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا"(النساء:75)
ومنها إجارة طالب الأمان وحق اللجوء السياسي، وهو نظام إنساني مقرر في المواثيق الدولية ولا تعارض فيه مع مواثيق الشريعة الإسلامية، جدير بالاعتبار والتأمل، أقره الإسلام وسبق فيه غيره من التشريعات، لأن طالب الأمان والمستجير ليس مجرد عابر سبيل بل مخالف قد يكون في صفوف غير المسلمين ثم لاعتبارات خاصة يطلب الإجارة، وفي ذلك نزل قوله تعالى بصريح العبارة يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه"(التوبة:6)
ويعرف هذا الحق في القوانين المعاصرة بحق اللجوء السياسى، وهو حق كفله الإسلام مراعاة لكرامة الإنسان وصيانة لها.





رعاية حقوق غير المسلمين (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1424-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86.h tml)







رعاية حقوق غير المسلمين (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1424-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86.h tml)


إن مفهوم الإنسان في ظل الشريعة الإسلامية يشمل المسلم وغير المسلم، ومن ثم فإن الشريعة التي هي عدل كلها ورحمة كلها كفلت لغير المسلمين حق العيش الكريم في ظل الدولة المسلمة، وحفظت لهم حق الحياة، وحرية التدين، والمسالمة ما سالموا المسلمين فلهم السلام والأمان والعدل في معاملتهم.
فغير المسلمين في دولة الإسلام لهم كافة الحقوق المدنية التي كفلها لهم التكريم الإلهي للإنسان في قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا"(الإسراء:70)
وهؤلاء أصناف منهم:


المستأمنون (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1425-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%86%D 9%88%D9%86.html)

المستأمنون (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1425-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%86%D 9%88%D9%86.html)


وهم الذين يدخلون ديار المسلمين بغرض السياحة أو التجارة أو تلقي العلم أو العلاج أو غيرها من المصالح الإنسانية، ولهؤلاء- في الإسلام - الأمان الكامل والرعاية التامة لحقوقهم ما لم يخلّوا بأمن الدولة أو يعتدوا على أبنائها أو يرتكبوا من الأفعال ما يعرضهم للمساءلة والعقوبة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بسبب حرص الإسلام على المسالمة وفتح الباب للتعاون الآمن مع الآخر، لم يجعل حق إعطاء الأمـان للمستأمَن -طالب الأمان- وقفًا على الدولة، وإنما وسّعه فأباح لأفراد الأمة المسلمة أن يعطوا الأمان لمن يطمئنون إلى حسن نيته، وسلامة مقصده في طلب دخول أرض المسلمين، بشروط حددها الفقهاء لمن يجوز له إعطاء الأمان، منها أن يكون مسلمًا بالغًا عاقـلاً عالما بمعنى "عقد الأمان" وما يترتب عليه من حقوق وواجبات.
كما تجدر الإشارة إلى أن "المستأمن" تطبق عليه أثناء إقامته في ديار الإسلام أحكام شريعته هو، فيما يتصل بأموره الدينية.


[1]- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/311.


الذمّيون (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1426-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%85%D9%91%D9%8A%D9%88%D9%86.h tml)

الذمّيون (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1426-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%85%D9%91%D9%8A%D9%88%D9%86.h tml)


وهم غير المسلمين ممن يعيشون في ظل حكم الإسلام، تكون لهم ذمة الإسلام، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، فلا يجوز أن يمارس أي عدوان عليهم، بل يكون أساس التعامل معهم هو البر والعدل، ومن حقوق هؤلاء:
أولا: حق غير المسلمين في الاحتفاظ بعقيدتهم الدينية (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1427-%D8%AD%D9%82-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B8-%D8%A8%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9.html)
ثانيا:حرمة الاعتداء على أنفس غير المسلمين وأعراضهم وأموالهم (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1428-%D8%AD%D8%B1%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%86%D9%81%D8%B3-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%B6%D9%87%D9%85-%D9%88%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%85.h tml)
ثالثا: مشروعية زيارة أهل الأديان الأخرى وعيادة المرضى منهم (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1429-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B1%D9%89-%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B6%D9%89-%D9%85%D9%86%D9%87%D9%85.html)
والنهي عن الإكراه في الدين عام يجري في حق كل إنسان، فلا يكره على تغيير معتقده سواء من أهل الكتاب، أم من غيرهــم، أو حتى ممن لا دين لهم. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «لا تكرهوا أحدًا على أن يدخل في الإسلام لأنه دين واضح مناسب للفطرة الإنسانية، فمن شرح الله صدره وأنار بصيرته دخل فيه باختياره»([1]).



[1]- تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/311.


حق الحرية والعيش الكريم (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1420-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85.html)

حق الحرية والعيش الكريم (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1420-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85.html)


وهذا الحق لا يقل أهمية عن الاهتمام بحق الحفاظ على الحياة، إذ به يتعلق تقرير بقية الحقوق والدفاع عنها، وقد كفله الإسلام، وسارت على ذلك جميع المواثيق الدولية، وكان لأسلاف المسلمين عناية عظيمة بتحرير الإنسان من العبودية. وهو ما عبّر عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟".
والإسلام في تقريره حق الحرية لم يجعلها شعاراً أو كلمات قابلة للتغيير والتبديل، وكذلك لم يجعلها مرتبطة بظروف اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو غيرها.. وإنما جعلها حقا ملازما للحياة لا يصح أن يستغنى عنه. وقد أكد ذلك ربعي بن عامر رضي الله عنه حين دخل على رستم الفارسي وهو «يزج النمارق والبسط... فكلمه فقــال: ما جاء بكم ؟ قال: الله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإســلام ! »([1])


[1]- تاريخ الطبري: 2 /401.



رعاية حق الإنسان في المساواة (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1421-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A9.h tml)

رعاية حق الإنسان في المساواة (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1421-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%88%D8%A7%D8%A9.h tml)


وهذا الأصل قرَّرَتْه الشريعة ونادت به المواثيق العالمية، وأساس هذه المساواة في النشأة وفي أصل الخلقة. فالناس جميعاً أبناء آدم وحواء كما قال تعالى: "ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(الحجرات:13)
وهذه الآية تقرر أن الاختلاف في الألوان والأجناس، وبين الشعوب والقبائل، لا يراد به مطلقاً أي تمييز بين أسود وأبيض، وعظيم ووضيع، فالكل أمام الله سواء، والكل عباد الله وخلقه، لا يتمايزون بأحسابهم وأنسابهم ولا بأوضاعهم الاجتماعية، وإنما يتمايزون في الدنيا بالعلم والعمل الصالح، وفي الدنيا والآخرة بالتقوى.
وهذا المعنى نفسه هو ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بالْآبَاءِ ؛ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ([1])
كما أكد ذلك صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع التي كانت دستورا مجملا لرسالة الإسلام والتي ذكّر فيها بإقرار مبدأ المساواة بين الناس ورعاية حقوق النساء في قوله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَـذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَبَلَّغْـتُ ؟ قَالُـوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِب»!([2]).
على أن هذا الإعلان التاريخى عن مبدأ المساواة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعارات، وإنما يجب تطبيقه في شتى المجالات.
فقد جاء أسامة بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من أحب الناس إليه- يشفع في فاطمة بنت الأسود المخزومية وكانت قد سرقت قطيفة وحلية ووجب تطبيق حد السرقة عليها بقطع يدها.. لكن النبي صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً وأبى ذلك. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا! « ([3]).
وأقيم الحدّ على المخزومية.
كما أنصف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قبطيا مصريا ضربه ابن عمرو بن العاص والي مصر آنذاك، واستدعى عمر الضارب والمضروب ومعهما عمرو بن العاص والد الضارب، ثم أعطى عمر ابن الخطاب السوط للمصري المعتدى عليه وأمره أن يقتص لنفسه من ابن حاكم مصر ويضربه - أمام أبيه - كما ضربه..
وهكذا كان المجتمع المسلم الأول مستظلاً بظل المساواة كما قررها القرآن والسنة النبوية، فعم العدل والإنصاف جميع طبقات المجتمع، ونشأت على ذلك أجيال يحترم فيها كل إنسان حق غيره ويحافظ عليه.

[1]- أخرجه أبو داود في الأدب 4452، والترمذي في المناقب 3891، و قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[2]- أخرجه أحمد في المسند 22391، والبيهقي في شعب الإيمان: 5137.

[3]- أخرجه البخاري، في أحاديث الأنبياء: 3216.


حِرمة الدماء والأموال والأعراض (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1422-%D8%AD%D9%90%D8%B1%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%B6.h tml)
رعاية حقوق المستضعفين في الأرض (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1423-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B6%D8%B9%D9%81%D 9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6.html)
رعاية حقوق غير المسلمين (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1424-%D8%B1%D8%B9%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86.h tml)
خلاصات عملية حول تدبير الشأن الديني ومراعاة المحيط الدولي (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1430-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AA%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A.html)

خلاصات عملية حول تدبير الشأن الديني ومراعاة المحيط الدولي (http://www.habous.gov.ma/component/content/article/133-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/1430-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%AA%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%8A%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A.html)

وهذه مجموع خلاصات عملية حول تدبير الشأن الديني ومراعاة المحيط الدولي حول ما ينبغي على الخطيب والإمام والواعظ الالتزام به في خطابهم :


إن الله كتب على المسلمين الوفاء بالعهود والمواثيق، لأن حسن العهد من الإيمان؛
الإسلام يزدهر في ظل الحوار وحسن الجوار، بما لا يتم له في أجواء الصراع والحروب؛
إن لزوم النمط الأوسط ونبذ ظاهرة الغلو والتطرف من مقتضيات وسطية هذه الأمة؛
إن من الحكمة ترك المرء ما لا يغني شيئا ولا ينفع في ميادين التوجيه والسلوك، من الحديث عن القضايا المشكلة، والأمور العظيمة، والمضايق السياسية التي لو دخل فيها الإمام أو الخطيب لم يدر وجه الخروج منها، فكانت فتنة ووبالا لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، أي ما ليس من اختصاصه؛
وجوب رعاية حقوق الإنسان كما قررتها الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية؛
وجوب احترام حقوق غير المسلمين ورعايتها في بلاد الإسلام، لأن الشريعة كفلت لهم ما للمسلمين، وأوجبت عليهم في ظلها ما على المسلمين.


الجزء الثاني



مراعاة المذهب (http://www.habous.net/2012-01-27-14-34-46.html)
نماذج من الشعائر الدينية (http://www.habous.net/2012-01-27-14-34-12.html)
خطبة الجمعة (http://www.habous.net/2012-01-27-14-33-52.html)
ضوابط للقيمين الدينيين (http://www.habous.net/2012-01-27-14-33-37.html)




تفضل التحميل من هنا (http://arabsh.com/files/0c324c4d6df5/دليل-الإمام-والخطيب-والواعظ-docx.html)