المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غزوة بدر الكبرى دروس وعبر


المربي
20-09- 2008, 06:21 AM
الحمد لله الذي امتن على المؤمنين بنصرهم في بدر ليشكروه، قال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( )، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، ينصر من يشاء وهو القوي العزيز. وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه، بَلَّغ الرسالةَ وَأَدَّى الأمانةَ ونصح الأمةَ وجاهد في الله حق جهاده وَعَبَدَ رَبَّهُ حتى أتاه اليقين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا الرسولِ الكريمِ وعلى آله وأصحابه ومن سار على هديهم وسلك طريقهم إلى يوم الدين.
أوصيكم ونفسـي عبادَ الله بتقوى الله وطاعته، وأُحَذِّرُكم ونفسي من عصيانـه ومخالفة أمره قال تعالى:  مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ( ).
أما بعد فيا أيها الأخوة المسلمون: في شهر رمضانَ المبارك كانت غزوةُ بدر وهي الوقعةُ العظيمةُ التي فرق الله تعالى فيها بين الحق والباطل، وأعز الإسلامَ ودمغ الكفرَ وأهلَه، وقد ظهرت في هذه الغزوة آياتٌ كثيرةٌ وبراهينُ شهيرةٌ: بتحقيق الله ما وعد المؤمنين به من إحدى الطائفتين، وما أخبرهم به من ميلهم إلى العير دون النفير، ومجيء المطر عند التقاء الصفين، وكان للمسلمين نعمةً وقوةً، وعلى الكفار بلاءً ونقمةً، وإمداد الله المؤمنين بجند من السماء حتى سمعوا أصواتَهم حين قالوا: أقدم حيزوم، ورأوا الرؤوسَ ساقطةً من الكواهل من غير قطعٍ ولا ضربٍ، وأثرَ السياطِ في أبي جهلٍ وغيرِه وَرَمْي الرسول  المشركين بالحصى والتراب حتى عمّت رميته الجميع. وغير ذلك كثير. ولن نسرد أحداثَ تلك الغزوة لكونها مشهورة، وإنما سنلقي الضوءَ على بعض الدروس والعبر المستفادة من هذه الغزوة ليأخذَ المسلمون منها الزادَ في مقارعة الأعداء ومنازلةِ الخصوم.
أيها الأخوة المسلمون: لقد كان سببُ المعركة أنَّ رسولَ الله  علِم بعودةِ عيرِ قريش من الشام فندب أصحابه للخروج، وأمر من كان ظهرُهُ حاضراً بالنهوض، ولم يعزم على أحدٍ بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة، لأنه لم يكن يتوقع أن يصطدم بالجيش بدلَ العِير، ولذلك تخلَّف الكثيرُ من الصحابة، ولم ينكر  على أحد تخلفَه في هذه الغزوة. وفي هذه المعركة كان هـذا الوعد الإلهي: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ  لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ( ).
ولكنَّ النفسَ البشريةَ دائما تميل إلى الراحة والدعة وتتوقى المشقةَ والضرَر، ولو كان في الراحـة الخسران، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( ). وفي هذه الآية حِكَمٌ وأسرار ومصالح ُللعبد، فإن العبدَ إذا علم أن المكروهَ قد يأتي بالمحبوب، والمحبوبَ قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرةُ من جانب المسَّرة، ولم ييأسْ أن تأتيه المسرةُ من جانب المضرة، لعدمِ علمِهِ بالعواقبِ، فإن الله يعلمُ منها ما لا يعلمْه العبد. قال الحسن: لا تكرهوا الْـمُلِماتِ الواقعةَ، فلرب أمرٍ تكرهُه فيه نجاتُك، ولرب أمرٍ تحبه فيه عَطَبُك.
ويقول الإمام القرطبي معقبا: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار، فاستولى العدوُّ على البلاد، وأسر وقتل وسبى واسترقَّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما كسبت أيدي الناس! فماذا نقول نحن عن فلسطين، وقد انتزعها شرذمة من يهود، من أيدي مليارِ مسلمٍ، وذلك لتركهم الجهادَ، وإخـلادِهم إلى الأرض، واتباعِهم للشهوات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أيها الأخوة المسلمون: وفي بدر يُرسي رسولُ الله  معالـمَ ودعائمَ لقتال الأعداء، منها: الشورى، حيث يقف الخبيرُ العسكري الحبابُ بنُ المنذرِ ويقول: يارسولَ الله، أرأيتَ هذا المنـزل، أمنـزل أنزَلَكَهُ الله، ليس لنا أن نتقدمَه ولا نتأخرَ عنه؟ أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟ قال  : بل هو الرأيُ والحربُ والمكيدة، قال: يارسول الله، فإنَّ هذا ليس بمنـزل فانهض بالناس حتى نأتيَ أدنى ماءٍ من القوم – يعني قريشاً (فننـزلَه ونغورَ - أي نخربَ) ما وراءه من القليب (أي الآبار) ثم نبني عليه حوضا، فنملأَه ماءً، ثم نقاتلَ القومَ، فنشربَ ولا يشربون، فقال رسول الله  : لقد أشرتَ بالرأي.
ومنها: جهازُ الاستطلاع للوقوف على قوة العدو، فلقد قام النبي  باستكشاف قوةِ الأعداء بنفسه حيث صحب أبابكر، وتجولا حول معسكر مكَة فوجدا شيخاً من العرب فسأله رسولُ الله  عن قريش وعن محمدٍ وأصحابِه (سأل عن الجيشين زيادةً في التكتم) ولكن الشيخَ قال لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسولُ الله  إذا أخبرتنا أخبرناك، قال: أَوَ ذاك بذاك؟ قال: نعم. قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمداً وأصحابَه خرجوا يومَ كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهو اليوم بمكان كذا وكذا (للمكان الذي به جيش المدينة) وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا – للمكان الذي به جيشُ مكةَ.
ولما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال له رسولُ الله  نحن من ماء - عرَّض له النبي  ولم يشأ أن يفصح له بالحقيقة لأن الأمر جد خطير وهذا هو مقتضى الكتمان والإسرار في الحرب وفي المعاريض مندوحة عن الكذب كما ورد في الحديث- ثم انصرف عنه وبقي الشيخ يتفوَّه، ما مِنْ ماءٍ أَمِنْ ماء العراق؟ كما أرسل ثلاثة من قادة المهاجرين هُمْ سيدنا عليُّ بنُ أبي طالب والزبيرُ بنُ العوام وسعدُ بنُ أبي وقاص في نفر من الصحابة إلى ماء بدر فوجدوا غلماناً يستقون لجيش مكةَ، فألقوا عليهم القبضَ وجاءوا بهم، والرسول  يصلي، فقالوا: نحن سقاة قريشٍ بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرَهم فضربوهم فقالوا: نحن لأبي سفيانَ، ونحن في العِير، فأمسكوا عنهم. فسلَّم رسول الله  وقال: إن صَدَقوكم ضربتموهم وإذا كذبوكم تركتموهم، ثم أقبل عليهم يسألهم، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب، وأنهم ينحـرون يوما عشرا (من الإبل)، ويوما تسعا، وأعلموه بمن خرج من مكة، فقـال  : القوم ما بين الألـف والتسعمائة، وقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذَ أكبادها-( ).
ومنها رفعُ الروحِ المعنويةِ للجند، وحثهم على الطاعة وصدقِ التوكل على الله، كل هذه المعاني وغيرها تجدها في خطبة النبي  يوم بدر حيث حمد اللهَ وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه، وأنهاكم عما نهاكم عنه، فإن اللهَ عظيمٌ شأنُه، يأمر بالحق ويحب الصدقَ، ويعطي على الخير أهلَه على منازلهم عنده، به يذكرون وبه يتفاضلون، وإنكم قد أصبحتم بمنـزل الحق، لا يقبل الله فيه أحداً إلا ما ابتغى به وجهه. وإن الصبرَ في مواطن البأس مما يفرج الله به الهمَّ، وينجِّي به من الغَمِّ، وتدركون النجاةَ في الآخرة. فيكم نبي الله يحذركم ويأمركم، فاستحيوا اليوم أن يطَّلعَ الله عز وجل على شيء من أمركم يَمقتكم عليه، فإن الله يقول: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ( ). انظروا الذي أمركم به من كتابه وأراكم من آياته، وأعزكم به بعد ذلة فاستمسكوا به يَرْضَ به ربُّكم عنكم، وأبلوا ربكم في هـذه المواطن أمرا تستوجبـوا الذي وعدكم به من رحمته ومغفرته، فإن وعدَه حقٌ وقوله صدقٌ وعقابَه شديدٌ، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم، إليه ألجأنا ظهورَنا وبه اعتصمنا، وعليه توكلنا وإليه المصير يغفر الله لي وللمسلمين( ).
أيها الإخوة المسلمون: إن المسلمَ في مواجهته للباطل يحشد ما استطاع من قوة، ولا يدخر في ذلك وُسعاً، ثم هو بعـد ذلك لا يرهب قوةَ الأعـداء، وإن كانت تفوقه عددا وَعتادا، لأنه على يقين من أنه ليس في الميدان وحده وإنما معه جند الله وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ( ). وفي بدر يتجلى ذلك في مواقف عدة حيث تنتصر القلةُ المؤمنةُ على الكثرة المشركةِ وذلك بفضل ما سخر الله للمسلمين من جند السماء فكانت الملائكةُ من مدد السماء، وكان منها: النومُ والمطرُ، وسلاحُ الرعب، وما أدراك ما سلاحُ الرعبِ، إنه لمن أقوى الأسلحة التي تتحقق بها الغلبةُ على الأعداء، وهذا سلاح إذا سرى في أقوى الجيوش وأعتاها، فإنه ينهار ولايغني عنه عددٌ ولاَعتادٌ، وهذا السلاح لايملك خزائنَه إلا من يقدر على الوصول إلى القلب الذي هو محل التثبيتِ والخوفِ والهلَعِ، وتَأَمَّلْ قولَ ربِّ القلوب: إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُم كُلَّ بَنَانٍ( ).
ومن خصائص نبينا  النصرُ بالرعب مسيرةَ شهرٍ؛ فعن جابر بن عبدِالله رضي الله عنهمـا أن النبي  قال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعطَهُنَّ أحـدٌ قبلي: نصـرتُ بالرعب مسيرةَ شهر…) إلى آخر الحديث( ). والرعب سلاحٌ يفتِكُ بالمشركين والكافرين قال تعالى: سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْـبَ بِمَا أَشْـرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا( ). وقال تعالى: وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا( ). فسلاح الرعب سلاح ينفذ إلى أعماق القلوب فيسلب من أصحابها العقلَ والحسَّ ويجعلها في حالة من الذهول وعدم الوعي: لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( ).
أيها الإخوة المسلمون: إن من أساسيات عقيدة المسلم، أنه يأخذ بالأسباب كما أمره ربه، ثم هو على يقين تامٍ أن الله هو الفاعلُ الحقيقي فإن شاء أمضى الأسبابَ وجعل قوتَها المؤثرةَ أقـوى من قـوة القائم بها، وإن شـاء عطَّلها وسلبها الأثـرَ قال تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى( ). وقال تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا( ). كما أن المسلمَ على يقين أن النصر من عند الله ينـزله على الأصفياء من عباده والمخلَصين من أوليائه: وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ( ). وقال تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ( ).

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه...

Fragments Of Memory
06-02- 2009, 12:57 PM
السلام عليكم
شكرا جزيلا لك
مع التحية