المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبـاد الرحـمن


المربي
28-06- 2009, 06:31 PM
عبـاد الرحـمن (http://dralijuma.wordpress.com/2008/09/05/%d8%b9%d8%a8%d9%80%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%80%d9%85%d9%86/)
http://dralijuma.files.wordpress.com/2008/02/dr-ali-jumaa-2.thumbnail.jpg (http://dralijuma.files.wordpress.com/2008/02/dr-ali-jumaa-2.jpg)

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة
مفتى الديار المصرية

الله سبحانه وتعالي هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون‏[‏ التوبة‏:33]‏ فحملنا الرسالة‏..‏ فما هي صفات عباد الرحمن الذين حملوها؟ وما هو جوهر الرسالة التي كلفنا بأن نحملها إلي العالمين؟ربنا يتكلم عن حزب الله وعن حزب الشيطان‏..‏ وعن حزب الرحمن وعن حزب الأبالسة‏;‏ يقول في أولئك الذين رفعوا عبادة الله مقامها‏..‏ يقول في أولئك الذين عمروا الأرض كما أراد الله وعلي مراد الله‏:‏ وعباد الرحمن‏[‏ الفرقان‏:63],‏ وهم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ خواص الرحمن‏;‏ نسبهم إلي اسمه‏(‏ الرحمن‏)‏ وخصهم به‏,‏ وبه وبنوره يمشون في الناس‏,‏ فهم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق‏,‏ هم الراحمون يرحمهم الرحمن ويعاملون من في الأرض بالرحمة‏,‏ وهم السائرون علي قدم نبيهم صلي الله عليه وسلم الذي أرسله ربه رحمة للعالمين‏..‏ عرفنا ربنا جل جلاله بصفاتهم التي بها تحققوا‏,‏ وفيها ارتقوا حتى نعرفهم وأمرنا فقال‏:‏ واتبع سبيل من أناب إلي‏[‏ لقمان‏:15],‏ عدد لهم خمس عشرة صفة إلي نهاية سورة الفرقان‏,‏ تأملها أيها المسلم وتخلق بها حتى تكون عبدا ربانيا رحمانيا قادرا علي تحمل الدعوة للعالمين‏,‏ حتى تكون مرضيا عنك من رب العالمين‏,‏ حتى تكون حقيقا بأن تمد يدك إلى السماء‏:‏ يا رب يا رب‏;‏ فيستجيب الله لك‏..‏
وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونا‏..[‏ الفرقان‏:63]‏ لا يمشون علي الأرض طغيانا وتجبرا‏,‏ ولكن مشيهم بالسكينة والوقار‏,‏ والتواضع والخشية‏..‏ يمشون علي الأرض وهم يدركون أنها تسبح لله‏,‏ يمشون علي الأرض وفي قلوبهم حب لعباد الله الإنسان قبل الحيوان‏,‏ والحيوان قبل الأكوان يمشون علي الأرض هونا تترقرق الرحمة في قلوبهم‏,‏ يتعاملون مع الكون وكأنه حي مدرك‏,‏ ويتعاملون معه برفق‏.‏
عبد من عباد الرحمن‏;‏ يمشي علي الأرض هونا‏,‏ ويعتذر لخلق الله‏,‏ ويقدر حالهم من الجهل والجهالة وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما‏[‏ الفرقان‏:63]‏ يسلمون من الناس‏,‏ ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم‏;‏ فلا يعتدون عليهم بمثل ما يعتدي عليهم بل إنهم يصبرون لله وبالله‏,‏ وفي أواخر السورة يبين الله لنا أجر الصابرين وجزاء من تحمل ألم الصبر‏,‏ يصبرون لله رب العالمين وهم قادرون علي الرد‏,‏ وقادرون علي رد العدوان بالعدوان‏,‏ بل إنه قد أبيح لهم ذلك‏,‏ ولكن الله رقي حالهم‏,‏ وجعل الصبر أحلي وأعلي وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما‏[‏ الفرقان‏:63],‏ خاطبوهم بالجهل بشأنهم وما هم عليه‏,‏ أو بالجهالة عليهم والتطاول في الخطاب‏,‏ إلا أنهم لا يواجهونهم إلا بالسلام‏,‏ فالقول السلام يشمل الفعل السلام‏,‏ فهم‏-‏ رحمة بهم‏-‏ يحلمون عليهم‏,‏ وكأنهم يسدون عليهم موارد الفساد‏,‏ وكأنهم يسدون عليهم موارد النزاع والخصام‏;‏ فإن النزاع والخصام لا يكون معهما استقرار‏,‏ وإذا لم يكن هناك استقرار لا يكون هناك أمن‏,‏ وإذا كان هناك اضطراب وانعدام أمن فإن الإيمان في خطر‏,‏ يفهم المؤمن ذلك عن ربه في طول القرآن وعرضه‏,‏ ويقول لمن سابه أو لاعنه أو تفاحش عليه من خلق الله مسلمهم وكافرهم‏-‏ وقد رأي الجهالة في تصرفه ورأي الخروج عن دائرة المعقول في فعله وسلوكه‏-‏ سلاما يدعوه ويذكره بالسلام‏,‏ وهو اسم من أسماء الله تعالي‏..‏
وقال تعالي‏:‏ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما‏[‏ الفرقان‏:64]‏ يعلمون أنه‏(‏ يتنزل ربنا تبارك وتعالي كل ليلة إلي سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر‏,‏ فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب له‏,‏ من يسألني فأعطيه‏,‏ من يستغفرني فأغفر له‏)(‏ البخاري‏)..‏
في ثلث الليل الأخير منحة إلهية‏,‏ ونفحة صمدانية‏,‏ حالة ربانية يستجيب الله للدعاء فيها‏,‏ وما معني في ثلث الليل الأخير؟ معناه أنه قد هجر فراشه لله‏,‏ وترك لذته لله‏,‏ وأن حب الله في قلبه أعلي وأجلي وأكثر وأرجح من حب الحياة الدنيا‏..‏
من هذا شأنه كان قادرا علي تحمل أعباء الرسالة إلي العالمين‏,‏ ومن ضبط نفسه هكذا حال الغضب مع الآخرين فقد عرف دوره في الحياة الدنيا‏,‏ وعرف معني عالمية الإسلام وأدرك معني الدعوة ومعني تبليغها‏:‏ إنه ناصح صافي السريرة يعرف كيف يفهم عن ربه ما يقول له‏,‏ ويعرف كيف يخاطبه‏..‏ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما‏[‏ الفرقان‏:65],‏ فيه غرم وضياع وهلاك لازم ثابت‏..‏ إن عذابها كان غراما‏,‏ إنها ساءت مستقرا ومقاما‏[‏ الفرقان‏:65-66],‏ تذكروا أنه يستعيذ من عذاب الله وعقابه وسخطه‏,‏ ويري في هذه جهنم‏,‏ ويري أنها ساءت مستقرا ومقاما‏,‏ في مقابلتها الجنة ورضا الله حسنت مستقرا ومقاما‏[‏ الفرقان‏:76]‏ كما سنري في آخر السورة‏,‏ هذا هو سخط الله وهذا هو رضوان الله والعاقل عليه أن يختار‏,‏ ولذلك كان الكفار ضالين إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا‏[‏ الفرقان‏:44],‏ وإنه ليس من العقل أن يختار الإنسان سخط ربه علي رضوانه‏,‏ ولا ناره علي جنته‏,‏ ولا عذابه علي ثوابه‏,‏ هو غافل والكفار كذلك في غفلة عن ربهم وحجاب‏..;‏ في غمرة ساهون‏[‏ الذاريات‏:11].‏
ومهمة المسلم الذي هو من عباد الرحمن أن يزيل الحجاب بين الإنسان وبين ربه‏,‏ وأن يدل ويرشد والهداية بيد الله‏;‏ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء‏[‏ االقصص‏:56].

‏ ويقول سبحانه وتعالي‏:‏ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم قتلها إلا بالحق‏,[‏ الفرقان‏:68],‏ فهم يقتلون إنما عندما يكون في القتل ردء للقتل‏,‏ وعندما يكون في القتل نفي للقتل‏,‏ عندما يكون فيه الحياة ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون‏,[‏ البقرة‏:179]‏ولا يزنون‏,[‏ الفرقان‏:68]‏ بل يتزوجون‏,‏ أبيح لكم ـ بشرط الطول والعدل ـ واحدة والثانية والثالثة والرابعة‏,‏ وحرم عليكم الزنا فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع‏,[‏ النساء‏:3],‏ أما الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا‏,[‏ الإسراء‏:32],‏ وحرمه الله من بدايته ولا تقربوا الزنى‏,[‏ الإسراء‏:32],‏ ولم يقل في القرآن بطوله حرم الله عليكم الزنا بل جعل التحريم حتى من النظرة الأولي ومن الكلام بغير المعروف‏,‏ ومن الخلوة واللمس‏,‏ جعل ذلك كله مقدمات للزنا‏,‏ وجعل ذلك كله حراما‏..‏


ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما‏,‏ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا‏,‏ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏,[‏ الفرقان‏:68‏ ـ‏70]‏ سبحانه وتعالي يجعل هذه السيئات تتحول بتغير بيئتها إلي حسنات يوم القيامة‏,‏ ويفهم هذا عن ربه من فتح الله عليه‏,‏ وتمر هنا بها مرور الكرام لدقتها‏,‏ ولكن فضل الله كبير‏,‏ ورحمة الله واسعة‏,‏ فتدبروا وتأملوا كتاب ربكم وعيشوا في ظلاله فظلاله وافرة‏..‏ وكان الله غفورا رحيما‏,‏ ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلي الله متابا‏,[‏ الفرقان‏:70‏ ـ‏71].‏ فعبر بالمفعول المطلق للتأكيد‏,‏ فالمفعول المطلق يبين الحقيقة وينفي المجاز‏,‏ ويؤكد المصدر مرة بعد أخري‏,‏ فاستعمله ربنا فيقول‏:‏ ومن تاب وعمل صالحا فإنه ينوب إلي الله متابا‏,‏ لم يسكت‏,‏ قال جل في علاه‏:‏ متابا‏,‏ أي قبول حقيقي لها‏,‏ أي توبة نصوحا مقبولة علي حقيقتها‏,‏ وليس فيها أي نوع من أنواع المجاز‏,‏ ومؤكدة‏.‏



والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما‏,[‏ الفرقان‏:72],‏ فما الذي شاع في الناس الآن؟ علي حد إخبار النبي المصطفي والحبيب المجتبي صلي الله عليه وسلم في علامات آخر الزمان أنهم يشهدون قبل أن يستشهدوا‏.[‏ صحيح مسلم‏].‏
ويشهدون بالزور‏,‏ وشهادة الزور ظاهرها جميل ـ زور في لغة العرب‏:‏ جمل وحسن وباطنة قبيح‏,‏ فهو كذب ـ ورسول الله صلي الله عليه وسلم ـ يعظم علينا الكذب فيقول فيما أخرجه مالك في موطنه‏,‏ عن صفوان بن سليم‏,‏ أنه قال‏:‏ قيل لرسول الله‏:‏ أيكون المؤمن جبانا؟ فقال‏:‏ نعم فقيل له‏:‏ أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال‏:‏ نعم فقيل له‏:‏ أيكون المؤمن كذابا؟ فقال‏:‏ لا‏..!..‏ وشهادة الزور من الكذب‏,‏ وقد شاع الكذب في الناس‏..‏
كيف يحمل الكذاب دعوة ربه إلي العالمين؟‏!‏ كيف يحمل شاهد الزورـ بشهادته هذه ـ دين ربنا وهو صدق كله؟‏!‏ لا يتسق ذلك ولا يكون‏,‏ والأمر أمر هداية من عند الله‏,‏ والأمر أمر توفيق من عند سبحانه وتعالي للعبد‏:‏ والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما‏,[‏ الفرقان‏:72].‏
وإذا مروا باللغو مروا كراما‏..‏ فهو يمثل النفسية الراقية النبيلة التقية التقية‏,‏ فيمر باللغو فلا يندرج فيه‏,‏ يراه أمامه ويسمعه بأذنيه ولكنه لا يستدرج إليه‏.‏
نفس عظيمة من غير كبر‏,‏ نفس كريمة من غير سرف‏,‏ نفس رحيمة من غير ضعف‏,‏ نفس قوية من غير قسوة‏,‏ نفس رباها رسول الله صلي الله عليه وسلم فكانت من عباد الرحمن‏,‏ وعباد الرحمن إذا مد احدهم يده إلي السماء وهي قبلة الدعاء‏:‏ يا رب ـ اهتز له الكون‏.‏
والذين إذا ذكروا بآيات ربهم له يخروا عليها صما وعميانا‏,‏ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما‏,‏ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامة‏,[‏ الفرقان‏:73‏ ـ‏75].‏
وكأن هذه التكاليف تحتاج إلي تربية وتحتاج إلي صبر‏,‏ كأن هذه التكاليف تحتاج إلي حبس النفس‏,‏ كأن هذه التكاليف تحتاج إلي تغيير المعتاد‏..‏ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما‏,[‏ الفرقان‏:75]‏ كما كانوا يقولونه في الحياة الدنيا للجاهلين تقوله الملائكة لهم في الجنة‏…‏ خالدين فيها حسنت مستقر ومقاما‏,[‏ الفرقان‏:76],‏ في مقابلة ما تعوذوا به من الإساءة في المستقر والمقام من جهنم أعاذنا الله وإياكم حرها ومنظرها‏,‏ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما‏,[‏ الفرقان‏:77].‏

يا عباد الله هذا جزء من جوهر الدعوة الإسلامية‏[‏ الإنسان المسلم‏]‏ الذي هو عبد الله تعالي من عباد الرحمن‏,‏ هذا الإنسان المسلم يعلمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم كيف يكون‏.‏ وكيف نبدأ؟ فقال‏:‏ ابدأ بنفسك‏,[‏صحيح مسلم‏],‏ فابدأ بنفسك ولا تنظر إلي القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك‏,‏ واشتغل بعيونك‏..‏ وغير نفسك وجدد إيمانك‏,‏ وتهيأ لأن تكون مسلما داعيا إلي الله‏,‏ إما بقالك وإما بحالك‏..,‏ بلغوا عني ولو آية‏,[‏ البخاري‏],‏ وتعامل مع الرحمن سبحانه وتعالي علي أنه يحبك‏,‏ وعلي أنه وفقك لشيء قد حرمه الكثير‏..‏