المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حال المؤمنين وسلوك الصالحين


ily@ss
20-07- 2009, 04:10 PM
حال المؤمنين وسلوك الصالحين
الحمد لله وحده، حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على من لا نبي
بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
أما بعدُ: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصِّيَامُ
جُنَّةُ، فَلا يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وإِن امرؤٌ قَاتَلَهُ أو شاتمهُ فليقل:
إني صائم (مرتين)، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوف فَمِ الصَّائمِ أطيب عند
الله من ريح المسْكِ يترك طعامه وشرابه وشهوته من أَجْلِي الصيام لي وأنا أجزى به».
هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه بالأرقام الآتية (1894، 1904، 5927،
7492، 7538)، كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم (1151)، وكذلك أخرجه الإمام
أبو داود في سننه برقم (2363، وأخرجه الإمام أحمد في المسند بالأرقام (1/195-
196، 2/257، 273، 302، 312، 4/23، 5/83). وكذلك الإمام الدارمي في سننه برقم
(1732) من حديث أبي عبيدة، وبرقم (1771) من حديث أبي هريرة.

أولاً: شرح الحديث

قوله: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ». قال الحافظ في الفتح: زاد سعيد بن منصور عن مغيرة
بن عبد الرحمن عن أبي الزناد «جُنَّةٌ من النَّار»، وللنسائي من حديث عائشة
مثله، وله من حديث عثمان بن أبي العاص: «الصيام جُنَّةٌ كجُنَّةِ أحدكم من
القتال». ولأحد من طريق أبي يونس عن أبي هريرة: «جنة وحصن حصينٌ من النار». وله
من حديث أبي عبيدة بن الجراح: «الصيام جُنَّةٌ مَا لَمْ يخرقها». زاد الدارمي:
«بالغيبة» أي: ما لم يخرمها بالغيبة، وبذلك ترجم له هو وأبو داود.
والجُنَّةُ - بضم الجيم-: الوقاية والستر، وقد تبين بهذه الروايات متعلق هذا
الستر، وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر، وأما صاحبُ النهاية فقال: معنى
كونه جُنَّة، أي يقي صاحبه ما يؤذيه الشهوات، وقال القرطبي: جنة أي ستر، يعني:
بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه عما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة
بقوله: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرْفُثْ» إلخ. ويصح أن يراد أنه سترة بحسب
فائدته وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله: «يدع شهوته» إلخ، ويصح أن
يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.
وقال عياض في «الإكمال»: معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك،
وبالأخير جزم النووي. وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جُنَّةً من النار لأنه
إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات.
فالحاصل أنه إذا كفَّ نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترًا له من النار في
الآخرة.
قال الحافظ: وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام،
وقد حكي عن عائشة، وبه قال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء
ذلك اليوم، وأفرط ابن حزم فقال: يبطل الصيام كل معصية من متعمد لها ذاكرِ لصومه
سواء كانت فِعْلاً أو قولاً، لعموم قوله: «فلا يرفث ولا يجهل»، ولقوله في
الحديث الآخر: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع
طعامه وشرابه».
قال في الفتح: والجمهور وإن حملوا النهي على التحريم إلا أنهم خصوا الفطر
بالأكل والشراب والجماع.