« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: دروس التربية الأسرية ( الكاتب : حميدي )       :: المساعدة على الخط لمنظومة مسار خاص بالمديرين ( الكاتب : المربي )       :: دليل استعمال مسار بالصور ( الكاتب : المربي )       :: مجموعة فيديوهات لشروحات مسار ( الكاتب : المربي )       :: تحميل دليل مسار للمستخدم ( الكاتب : المربي )       :: تغيير كلمة السر لبرنامج مسار ( الكاتب : المربي )       :: معلومات مهمة عن نظام امتحان نيل شهادة السلك الإعدادي 2014/2015 ( الكاتب : Youness DoukkaLi )       :: كنت موجودا وعندما غبت لم يتعرفوا علي !!!!!! ( الكاتب : Youness DoukkaLi )       :: تعلّم الانجليزية مع أحدث برنامج 2014 ( الكاتب : غاليية )       :: ملخص دروس التربية الاسلامية السنة الثالثة اعدادي الدورة الثانية ( الكاتب : HAMZA86100 )      

تهنئة للأستاذ المدير العام لمنتديات المربي محمد الكطابي الذي حاز على وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الأولى
  
مركز تحميل الصورمركز تحميل الصورمركز تحميل الصور



درس في الفلسفة : التاريخ

آداب


إضافة رد
قديم 13-12- 2009, 10:08 PM رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
إحصائية العضو








  التقييم المربي تم تعطيل التقييم

المربي متواجد حالياً

 


المنتدى : آداب
افتراضي درس في الفلسفة : التاريخ



وضعية مشكلة: ما العلاقة بين إحراق طارق بن زياد للسفن عند عبوره إلى إسبانيا، وحراكَة اليوم في قوارب الموت!؟؟
أقرأ هذا الحوار الطريف بين جد وحفيده حول تاريخ المسلمين وعلاقتهم بالغرب، والذي يمكن من خلاله أن يكتشف التلميذ بشكل بسيط، ويطرح بنفسه إشكاليات المحاور الثلاث: المعرفة التاريخية، التاريخ وفكرة التقدم، ودور الإنسان في التاريخ هنــــــــــــــــــــا
ذاك هو الشاطئ الإسباني هذا هو القارب ..!مرة ركبه المغربي طارق بن زياد واليوم يركبه المغربي المهاجر السري.لكن لماذا تمر علاقة المغربي، ماضيا وحاضرا، بذلك الشاطئ عبر عملية الحريكَ (أي الإحراق)!!؟

محاور الدرس:
إشكالية المعرفة التاريخية
إشكاليةالتاريخ وفكرة التقدم
دور الإنسان في التاريخ




المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه "المخلفات" ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز

طرح الإشكال:
ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا "أحداث الوعي"أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟
صورة للتأمل: المؤرخ أمام مهمة بناء الواقعة التاريخية!!
كيف للمؤرخ أن يستخرج الحياة مما لاحياة فيه!؟ يذهب العلم من الأسباب إلى النتائج، بينما يضطر المؤرخ إلى الذهاب من النتائج إلى الأسباب ...
مخلفات الماضي: مراسلات ديبلوماسية كوثائق محفوظة في الأرشيف وإلى اليسار أطلال رومانية.

معالجة الإشكال:
مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها...

نص ابن خلدون : من الرواية إلى المعرفة التاريخية: أهمية المنهج النقدي

فإن فن التاريخ من الفنون التي (...) تتساوى في فهمه العلماء و الجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول (...) وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير(...)
اعلم (*) أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. و الأنبياء في سيرهم. و الملوك في دولهم و سياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة و معارف متنوعة و حسن نظر و تثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق و ينكبان به عن المزلات و المغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل و لم تحكم أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و لا قيس الغائب منها بالشاهد و الحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم و الحيد عن جادة الصدق و كثيراً ما وقع للمؤرخين و المفسرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً و لم يعرضوها على أصولها و لا قاسوها بأشباهها و لا سبروها بمعيار الحكمة و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط و لا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر و لا بد من ردها إلى الأصول و عرضها على القواعد.
المصدر: ابن خلدون ، المقدمة
نص إضافي : ابن خلدون-نموذج لتطبيق المنهج النقدي في تحقيق الخبر

و هذا كما نقل المسعودي و كثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون و يذهل في ذلك عن تقدير مصر و الشام و اتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها و تقوم بوظائفها و تضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة و الأحوال المألوفة ثم أن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق مساحة الأرض عنها و بعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثاً أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين و شيىء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر و الحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.
المصدر: ابن خلدون، المقدمة (من فصل بعنوان : في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها)
صورة للتأمل:
هذه بالتأكيد معركة حربية. ولكن هل هي جهاد بحري أم قرصنة بحرية!؟ يختلف الجواب حسبما إذا كان المؤرخ ينتمي إلى الضفة الجنوبية أو الشمالية للبحرالمتوسط !!

لوحة تظهر معركة بحرية في البحر الأبيض المتوسط بين سفينة موريسكية وأخرى أوروربية حوالي القرن 16
ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات...، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي

نص مارو : المعرفة التاريخية كخلاصة لمزاوجة دقيقة بين المنهج النقدي والتعاطف

أما وقد وصلنا إلى الحد، فعلينا أن ننظر في الشروط الذاتية التي تسمح يفهم الماضي وتحد منه في نفس الوقت. لقد رأينا كيف أن المؤرخ أشبه ما يكون بالإنسان الذي من خلال الإيبوخي Epoché يعرف كيف يخرج من ذاته لملاقاة الآخر. ومن الممكن أن نسمي هذه الفضيلة بالتعاطف. ولكن مصطلح التعاطف لايفي بالغرض: إذا أراد المؤرخ فهم موضوعه فلابد أن تجمعه بهذا الموضوع صداقة ما، ذلك أننا لانعرف أحدا إلا بواسطة الصداقة حسب عبارة القديس أوغسطين الجميلة. إذا كان الحس النقدي والتعاطف غير متناقضين في حد ذاتهما، فليس من السهل التوفيق بينهما أو العدل بينهما في ذهن العالم. بيد أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة لمجهود متظافر وإفراط البعض يعادل تقصير البعض الآخر. ومن المفيد لتقدم علمنا أن يعمل نقد صارم ومجحف أحيانا على إيقاظ تعاطف نائم وهو تنزلق خفية نحو التواطؤ والتساهل. عندما نفحص المساهمة الخاصة بكل واحدة من هاتين المرحلتين في البحث التاريخي، نجد أن التعاطف يضطلع دوما مرحلة البناء، في الوقت الذي يدمر فيه النقد الصرح المؤقت لمعرفة غير تامة، ويضع شرائط إعادة البناء اللاحقة، لكنه في حد ذاته لايضيف للمعرفة التاريخية سوى القليل.
المصدر: H.-I Marrou De la connaissance historique 1954
نص إضافي : مارك بلوخ: الذاتية كشرط لفهم الماضي ودلالاته

ينجم سوء فهم الحاضر من جهلنا بالماضي، غير أنه من العبث الانكباب على محاولة فهم الماضي ونحن نجهل كل شيئ عن الحاضر (...) وإذا كنا نعاين في الحاضر بحواسنا رعشة الحياة البشرية، فإن على المخيلة بذل مجهودات شاقة لنفخ الحياة في هذه النصوص العتيقة. لقد قرأت وسردت مرارا قصص حروب ومعارك، ولكن هل كنت أعرف حقا – بالمعنى الحقيقي للفظ المعرفة – أي هل كنت أعرف من الداخل ماذا يعني الحصار لجيش وماذا تعني الهزيمة لشعب قبل أن اختبر الغثيان المروع لكل ذلك بنفسي؟ وقبل أن استنشق هواء النصر في صيف وخريف 1918 هل كنت أعرف حقا ماذا تعني هذه الكلمة الجميلة؟ الواقع أننا نستمد عن وعي وبدونه من تجاربنا اليومية العناصر التي نستعملها في نهاية المطاف لإعادة بناء الماضي. ولولا أننا نرى من حولنا بشرا يحيون، أي معنى ستتخده الكلمات التي نستعملها لوصف الحالات الشعورية الغابرة والأشكال الاجتماعية المندثرة؟
المصدر: Marc Bloch; Apologie pour l'histoire ou métier d'historien 1949


المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.

<FONT size=3>طرح الإشكال:
هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟
صورة للتأمل: بأي معنى يمكن الحديث عن تقدم في التاريخ ؟!
يقول ريمون آرون: من السهل إثبات التقدم في المجالين العلمي والتقني، ولكن هل يمكننا الحديث عن التقدم في مجالات السياسة والاقتصاد؟
يمكننا القول أن النشاط الاقتصادي يقاس بمقدار الكمية التي ينتجها كل فرد أو بزيادة الدخل العام، ولكن ليست غاية الاقتصاد إنتاج أكبر قدر من السلع إنما الغاية منه حل مشاكل الفقر وتأمين أوضاع الحياة الانسانيةلأكبر عدد ممكن من الأفراد. ولكن ما من دليل على أن أوضاع تتحسن بقدر مايزيد ألإنتاج العام ولا أن إعادة توزيع المنتجات الجاهزة بين الأفراد يكون عادلا بقدر ماتنمو الثروة الجماعية.
التاريخ والتقدم، ضمن كتاب المجتمع الصناعي
ملجأ للمشردين في مدينة نيويورك، العاصمة الإقتصادية للدولة صاحبة أكبر اقتصاد عالمي


معالجة الإشكال:
-1 التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم
السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن...) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري... ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط... فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة تنقض عليها لاتزال العصبية فيها فتية قوية... وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد

نص ابن خلدون : من فتوة الدولة إلى قوتها فهرمها: سيرورة دورية cyclique

فلنذكر أولا طروق الخلل في الشوكة و العصبية ثم نرجع إلى طروقه في المال و الجباية.
اعلم أن تمهيد الدولة و تأسيسها كما قلناه إنما يكون بالعصبة و أنه لابد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها و هي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة و قبيلة فإذا جاءت الدولة طبيعة الملك من الترف و جدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف عشيرته و ذري قرباه القاسمين له في اسم الملك فيستبد في جدع أنوفهم (...) فيأخذهم بالقتل و الإهانة و سلب النعمة و الترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون و يقلون و تفسد عصبيبة صاحب الدولة منهم و هي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب و تستتبعها فتنحل عروتها و تضعف شكيمتها و تستبدل عنها بالبطانة من موالي النعمة و صنائع الإحسان و تتخذ منهم عصبة إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية لفقدان الرحم و القرابة منها (...) فتقل الحماية التي تنزل بالأطراف و الثغور فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف و يبادر الخوارج على الدولة من الأعياص و غيرهم إلى تلك الأطراف لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم و أمنهم من وصول الحامية إليهم و لا يزال ذلك يتدرج و نطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة (...)
و أما الخلل الذي يتطرق من جهة المال فاعلم أن الدولة في أولها تكون بدوية كما مر فيكون خلق الرفق بالرعايا و القصد في النفقات و التعفف عن الأموال (...) ثم يحصل الاستيلاء و يعظم و يستفحل الملك فيدعو إلى الترف و يكثر الإنفاق بسببه فتعظهم نفقات السلطان (...) و يدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند و أرزاق أهل الدولة ثم يعظم الترف فيكثر الإسراف في النفقات (...) و يحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق لإدرار الجباية (...) ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي بها المكوس و تكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة و القهر لمن تحت يدها من الرعايا
و يعظم الهرم بالدولة و يتجاسر عليها أهل النواحي و الدولة تنحل عراها في كل طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلال و تتعوض من الاستيلاء الكلل فإن قصدها طالب انتزعها من أيدي القائمين بها و إلا بقيت و هي تتلاشى إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته و طفئ و الله مالك الأمور و مدبر الأكوان لا إله إلا هو.
المصدر: ابن خلدون ، المقدمة
-2 التاريخ وفكرة التقدم
ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى "تيودور شانين" أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا "الرقي" يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية ( قارن هذه التفاؤلية ونظرتها "الإيجابية للكوارث" مع نص لايبنز، كتاب منار الفلسفة ص 50)
آخر مواضيعي 0 المساعدة على الخط لمنظومة مسار خاص بالمديرين
0 دليل استعمال مسار بالصور
0 مجموعة فيديوهات لشروحات مسار
0 تحميل دليل مسار للمستخدم
0 تغيير كلمة السر لبرنامج مسار
0 مكتبة الطفل : الفقه المالكي للناشئة
0 شرح منظومة ابن عاشر في الفقه المالكي
0 المصحف الإلكتروني
0 خطبة فضائل ماء زمزم واستقبال الحجاج.
0 خطبة عيد الأضحى المبارك
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
درس في الفلسفة: النظرية والتجربة المربي آداب 0 13-12- 2009 10:10 PM
التربية بين السياسة و الفلسفة TheInvisibleMan منتدى الطلبات والبحوث الدراسية 2 10-07- 2009 07:10 PM
دروس الفلسفة Mr Koobra آداب 0 19-02- 2009 09:33 AM
دروس الفلسفة 2 باك الدورة 2 المربي آداب 1 08-02- 2009 03:15 PM


عدد زوار المنتدى إلى الآن
Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2 TranZ By Almuhajir
][ جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ... ولا تعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر المنتدى ][