بسم الله الرحمن الرحيم
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) "الزخرف"

روابط مفيدة
صيد الفوائد | الشبكة الإسلامية | شبكة الألوكة | خطب المنبر | خطب الجمعة

مكتبة إسلامية

آخر 16 مواضيع مثبته
خطب ومحاضرات صوتية موسوعة الحديث الشريف
موسوعة التفاسير وعلوم القرآن موسوعة الفقه الإسلامي
خطب جمعة مغربية مكتوبة مكتبة الخطب
موسوعة الكحيل للإعجاز العلمي في القرآن والسنة تحميل كتب التفاسير pdf (212 كتاب)
المكتبة الشاملة الحديثة دليل الإمام والخطيب والواعظ
الـقـرآن وعــلــومــه والتــفــســير خطب من إعداد الأستاذ محمد الكطابي
الخطب المكتوبة للشيخ القرعاوي خطب جمعة مكتوبة وقصيرة
خطبة الجمعة مكتوبة 52 مصحف مكتوب لكل القراءات العشر كل مصحف نسختان نسخة برنامج كلام الله

 
العودة   منتديات المربي قسم خاص بالخطب المنبرية والدروس الدينية خاص بذكرى رأس السنة الهجرية
 

إضافة رد
 
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
 
 
قديم 19-11- 2012, 07:52 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الصالحي

إحصائية العضو






 

الصالحي غير متواجد حالياً

 


المنتدى : خاص بذكرى رأس السنة الهجرية"> خاص بذكرى رأس السنة الهجرية
Q (17) مجموعة من الخطب عن عاشوراء

خطبة الجمعة .. عن عاشوراء

الحمد لله، جرَت بالأقدار أقلامُه ، و مضَت في الخلائق أحكامُه ، أحمده سبحانه وأشكره شكرًا يزيد به فضلُ ربّي و إِنعامه ، و أشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةَ حقٍّ و يقين يزول بها عن القلبِ غِشاوته و ظلامُه ، و أشهد أنّ سيّدَنا و نبينا محمّدًا عبد الله و رسوله ببعثته و رسالته كمل الدِّين و أرتفعت أعلامه ، صلى الله و سلَّم و بارك عليه و على آله و أصحابِه صلواتٍ و سلامًا و برَكات دائِمَاتٍ ما دام الدّهرُ ليالِيه و أيّامُه ، و التابعين و من تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين .
أمــــا بعـــــد : فأتقوا الله يا عباد الله ، ثقوا بنصر الله إذا توفرت أسبابه ، من الصدق و الإخلاص و الإستقامة على شرعه و التضرع بين يديه و رجائه و الخوف منه وحده دون سواه . أيها المسلمون ، عاشوراء يوم النصر العظيم ، و يوم الصراع بين الحق و الباطل ، و بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان ، قديم قدم البشرية ذاتها ، و لن يزال مستعرًا إلى قيام الساعة ، و هذه سنة الله في خلقه ، و هي مقتضى حكمته و رحمته ، فيقول و قوله الحق سبحانه و تعالى : { الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } [النساء:76] ، و قال أيضاً سبحانه و تعالى : { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } [محمد:4] . فالله تعالى قادر على أن يهلك الظالمين في لحظة ، و يأخذهم على حين غرة ، و لكنه أبتلى بهم عباده المؤمنين ليكشف معادنهم ، و يمتحن صدقهم و صبرهم و جهادهم و بذلهم . فبالإبتلاء يتميز المؤمن الصادق من الدعي المنافق , و يتبين المجاهد العامل من القاعد الخامل . و لقد قصَّ الله لنا فصولاً كثيرة من هذا الصراع بين المؤمنين و الكافرين .
عباد الله ، و من هذه القصص العظيمة قصة موسى عليه الصلاة و السلام مع فرعون مصر في عهده ، و التي تكرر ذكرها في القرآن فيما يقارب ثلاثين موضعًا ،
و هي أكثر القَصص القرآني تكرارًا ؛ و ذلك لمشابهتها لما كان يعانيه الرسول من صناديد قريش و فراعنة هذه الأمة , و لما فيها من التسلية له و للمؤمنين حينما يشتد عليهم أذى الكفار و المنافقين ، و لما أشتملت عليه من العظات البالغة و الدروس و الحكم الباهرة و الحجج و الآيات القاطعة .
إخوة الإيمان : و تبدأ قصة موسى مع فرعون منذ أن كان موسى حملاً في بطن أمه ، فقد قيل لفرعون : إن مولودًا من بني إسرائيل سيولد ، و سيكون على يديه هلاكك و زوال ملكك . و إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة و السلام ، و قد نزح إسرائيل و أولاده من الشام إلى مصر في عهد يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، و كان عددهم آنذاك ثمانين شخصًا ، ثم لم يزل عددهم ينمو و نسلهم يتكاثر حتى بلغوا في عهد فرعون الطاغية ستمائة ألف إنسان .
و عندما أخُبِر فرعون أن زوال ملكه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل ، أصدر أوامره بقتل أبنائهم و أستحياء نسائهم ، حذرًا من وجود هذا الغلام ، و لن يغني حذر من قدر ، { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [يوسف:21] . و أحترز فرعون كل الأحتراز أن لا يوجد هذا الغلام ، حتى جعل رجالاً و قابلات
يدورون على النساء الحوامل ، و يعلمون ميقات وضعهن ، فلا تلد أمرأة ذكرًا إلا ذبحه من ساعته . و كان هارون عليه السلام قد ولد قبل بدء هذه المحنة ، فأنجاه الله من كيد فرعون ، و أما موسى عليه السلام فإنه لما حملت به أمه حرصت على إخفاء حملها خوفًا عليه من القتل ، و كان خوفها عليه يزداد مع مرور الأيام
و قرب و قت المخاض ، و لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا ، و ضاقت عليها الأرض بما رحبت ، و ركبها من الهمّ و الخوف ما لا يعلمه إلا الله ، و كان خوفها عليه أضعاف فرحها بقدومه ، و لكن الله جل و علا ألهمها بما يثبّت به فؤادها ، { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } [القصص:7] ، فأستجابت أم موسى لهذا الإلهام ، و صنعت لأبنها صندوقًا و ألقته في نهر النيل ، حيث كانت دارها مجاورة له ، ألقته في النهر و كأنما ألقت معه عقلها و قلبها ، فأصبح صدرها خاليًا من الطّمأنينة ، { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [القصص:10] ،
و يمضي الموج بالوليد الضعيف داخل الصندوق ، يحفه الله بعنايته ، و يكلؤه بحفظه و رعايته ، حتى بلغ قصر فرعون ، فألتقطه آل فرعون ، و لما فتحوا التابوت وجدوا فيه ذلك الغلام الضعيف ، و لكن رب الأرباب و مالك القلوب و الألباب يلقي في قلب آسية زوجة فرعون فيضًا من الرحمة و الرأفة و الحنان على هذا الطفل الرضيع ، { وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } [القصص:9] ، و قد أنالها الله ما رجت منه من النفع
و الخير , فهداها الله بسببه ، و جعلها من أهل جواره و جنته ، و لكن هذا الطفل المحفوف بعناية الله يفاجئهم بأنه لا يقبل ثدي امرأة ليرضع ، فحاروا في أمره ،
و أجتهدوا في تغذيته بكل ممكن ، و هو لا يزيدهم إلا عنتًا و حيرة و رفضًا و أستعصاءً ، و بينما هم كذلك فإذا بأخته تقبل عليهم ، و كانت أمها قد أمرتها بأن تتابع أخاها و هو في الصندوق ، و أن تقفوا أثره ، لتعلم مستقره و تستطلع خبره ، { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } [القصص:11، 12] ، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا ، و ذهبوا معها إلى منزلهم ، فلما رأته أمه ما كادت تصدق عينيها ، فأخذته و ضمته إلى صدرها و ألقمته ثدييها ، فأخذ يرضع بنَهَم شديد ، و هم في غاية الدهشة و السرور . وهكذا يأبى الله عز و جل إلا أن يحمل آل فرعون هذا الوليد إلى أمه التي خافت عليه منهم ، ثم يعطوها مع ذلك أجرة إرضاعها له ، و يتعهدوا وليدها بالتربية و الرعاية ، { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ
تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [القصص:13]. و ما زالت الأيام تمضي و الأعوام تترى ، و كبر موسى و بلغ أشده ، و آتاه الله حكمًا و علمًا ، فصار يأمر و ينهى ، و يقول فيسمع ، و يشفع فيشفع ، و لا غرو فهو أبن فرعون بالتبني ، و هو ربيبه و واحد من أهل بيته ، قال الله تعالى : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [القصص:14] .و بعد حين وقع في محنة عظيمة ، حيث قتل رجلاً من قوم فرعون ما كان يريد قتله ،
و تخوف من الطلب ، ففر هاربًا إلى أرض مدين ، و لبث فيهم عشر سنين ، تزوج في أثنائها ، ثم عاد إلى أرض مصر مع أهله ، و في الطريق إليها أكرمه الله برسالته ، و أوحى إليه بوحيه ، و كلمه من غير واسطة و لا ترجمان ، و أرسله إلى فرعون بالآيات القاطعات و السلطان المبين ، و لكن فرعون عاند و كابر ،
{ فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى } [النازعات:21-24] ، و أدعى أن ما جاء به موسى سحر ، و أن عنده من السحر ما يبطله ، و جمع السحرة من جميع أنحاء مملكته ، فألقوا ما عندهم من السحر ، { فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } [يونس:81] ، { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } [الشعراء:4] ، { فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } [الأعراف:118-122] ، و لما انقطعت حجة فرعون و خاب كيده ، و أنكشف باطله و زيفه لجأ إلى القوة و البطش و التعذيب و التنكيل و الملاحقة و التشريد و إرهاب الناس بالنار و الحديد . إنه منطق الطغيان العاتي ، كلما أعوزته الحجة
و خذله البرهان و خاف أن يظهر الحق و يتمكن أهله و رواده . ثم أرسل الله عز و جل على فرعون و قومه آيات عجيبة و عقوبات متنوعة ، من الطوفان و الجراد
و القُمَل و الضفادع و الدم ، { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } [المدثر:31] ، و لكنها ـ و العياذ بالله ـ لم تزدهم إلا عنادًا و إستكبارًا و ظلمًا
و عدوانًا ، يقول الله تعالى : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ } [الأعراف:133] ،
و لما تمادى فرعون في طغيانه و إيذائه لموسى و من معه أوحى الله إلى موسى أن يخرج بالمسلمين من أرض مصر ليلاً ، فخرجوا قاصدين بلاد الشام ،
فلما علم فرعون بخروجهم جمع جيشه و جند جنوده من شتى أنحاء مملكته ليلحقهم و يمحقهم في زعمه ، { فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } [الشعراء:53-56] . فخرج فرعون و جنوده في أثرهم ، حتى أدركهم عند البحر الأحمر ، { فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون } [الشعراء:61] ، فالبحر أمامهم ، و العدو خلفهم ، فأجابهم موسى بلسان المؤمن الواثق بأن الله معه و لن يضيعه ،
و قال لهم بكل ثقة و ثبات : { كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء:62] ، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه و هو يتلاطم بأمواجه ،
فانفلق ـ بإذن الله ـ أثني عشر طريقًا يابسًا ، و صار هذا الماء السيال و تلك الأمواج العاتيات كأطواد الجبال الراسيات ، فأنحدروا فيه مسرعين مستبشرين ،
و دخل فرعون و جنوده في أثرهم لاهثين سادرين ، فلما جاوزه موسى و قومه و تكاملوا خارجين و تكامل فرعون و قومه داخلين أطبقه الله عليهم و أغرقهم أجمعين ، { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى } [طه:77-79] ، و هذا هو مصير أعداء الله في كل حين ، و تلك هي عاقبة المكذبين الضالين ، و ما ربك بظلام للعبيد ،:
{ فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [العنكبوت:40] .

بارك الله لي و لكم في القرآن العظيم ، و نفعني و إياكم بما فيه من الآيات و الذكر الحكيم ، و بهدي محمد رسول رب العالمين ، أقول قولي هذا ، و أستغفر الله لي و لكم و لسائر المسلمين من كل ذنب و خطيئة ، فأستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الحطبة الثانية



الحمد لله أهل الحمد و الثناء ، أحمده سبحانه و أشكره في السّراء و الضراء ، و أشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له إلهَ الأرض و السماء ، و أشهد أن سيدنا و نبينا محمدا عبد الله و رسوله سيد المرسلين و خاتم الأنبياء، صلى الله سلم و بارك عليه ، و على آله و أصحابه البرَرَة الأتقياء ، و التابعين و من تبِعهم بإحسان إلى يوم القضاء .

أمــا بعــد أيها المؤمنون: فهذهِ دروس و عِبَر ، فأتقوا الله يرحمكم الله ، و تعلَّقوا بربّكم ، و حاسبوا أنفسكم ، و أعملوا و أجتهدوا و أخلِصوا و أبشروا و أمِّلوا ،
و أستدركوا و أنتم في مستقبَلِ عامِكم و في مستهلِّه ، أستدركوا أعمالَكم فرائضَ و نوافل ، فأنتم في مقتَبَل هذا العامِ الجديد ، فأستعتِبوا و أستدركوا ، و هذا هو شهر الله المحرَّم ، فأروا الله من أنفسِكم خيرًا .
أيها الإخوة في الله : لقد كان اليوم الذي نجى الله فيه موسى من فرعون هو اليوم العاشر من هذا الشهر الكريم شهر الله المحرم ، فقد روى البخاري و مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : قدم رسول الله المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال : (( ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ )) قالوا: هذا يوم عظيم ، أنجى الله فيه موسى و قومه ، و غرَّق فرعون و قومه ، فصامه موسى شكرًا ، فنحن نصومه ، فقال رسول الله : (( فنحن أحق و أولى بموسى منكم )) ، فصامه رسول الله و أمر بصيامه . و قد كان صيام يوم عاشوراء واجبًا قبل أن يفرض صيام رمضان ، فلما فرض صيام رمضان أصبح صيام عاشوراء سنة مؤكدة .



عاشوراء وشهر الله المحرم
الشيخ أحمد الفقيهي


إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
عباد الله، إنَّ من نعم الله على عباده أنِ اختصَّ بعضَ الأزمنة والأمكنة بمزيد عناية وفضل؛ ليزداد من اغتنمها ورعى حُرمتها إحسانًا، ويبوء من غَفَل عنها وأهملها خيبة ونقصانًا.

ألا وإنَّ من تلك الأزمنة الفاضلة التي أنعم الله بها على أمة محمد صلى الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - شهرَ الله الحرام.

شهر الله المحرم شهر عظيم من أشهر العام، وهو أحد الأشهر الحُرُم التي نهانا فيها مولانا أن نظلم فيهنَّ أنفسنا؛ لأنَّها آكد وأبلغ في الإثم من غيرها.

قال ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله - تعالى -: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهنَّ حرامًا، وعظَّم حرماتِهنَّ، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.

عبادَ الله:
لقد كان أهل الجاهلية يسمون شهر المحرم شهرَ الله الأصم؛ لشدة تحريمه.

عباد الله:
ومن فضائل شهر الله المحرَّم أنَّه يستحب الإكثار فيه من صيام النَّافلة؛ ففي الحديث عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم))؛ رواه مسلم.

قال ابن رجب - رحمه الله -: "سمى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذا الشهر شهر الله المحرم، فاختصه بإضافته إلى الله، وإضافته إلى الله تدُلُّ على شرفه وفضله، ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله - تعالى - وكان الصيام من بين الأعمال مختصًا بإضافته إلى الله، ناسب أن يَختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إلى الله المختص به وهو الصوم".

وقال أيضًا - رحمه الله تعالى -: "من صام من ذي الحجة، وصام من المحرم، خَتَم السنة بالطاعة، وافتتحها بالطاعة، فيُرجى أن تكتب له سنته كلها طاعة، فإنَّ من كان أول عمله طاعة، وآخره طاعة، فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين".

عباد الله:
ومما اختصَّ اللهُ به شهرَ المحرم يومُه العاشر وهو عاشوراء، هذا اليوم الذي احتسب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الله أن يكفِّر لمن صامه السنة التي قبله؛ عن أبي قتادة - رضي الله عنه - أنَّ رجلاً سأل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن صيام عاشوراء، فقال: ((أحتسب على الله أنْ يكفر السنة التي قبله))؛ رواه مسلم.

وقد صامه النبي - صلى الله عليه وسلَّم - تعظيمًا لهذا اليوم، وهو يومٌ مبارك معظم منذ القدم، فاليهود أتباع موسى - عليه السَّلام - كانوا يعظمونه ويصومونه ويتخذونه عيدًا؛ وذلك لأنه اليوم الذي نَجَّى الله فيه موسى - عليه السَّلام - من فرعون وقومه؛ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قدم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم – المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح نَجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى"؛ أخرجه البخاري.

وكذلك النصارى كان لهم حظ من تعظيم هذا اليوم؛ بل قريش على وثنيَّتها وعبادتها الأصنام كانت تصوم يوم عاشوراء وتعظمه؛ تقول عائشة - رضي الله عنها -: "كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهليَّة، وكان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يصومه في الجاهلية".

ونحن المسلمين أحقُّ بصيام هذا اليوم من أولئك، فهو يوم نَجَّى الله فيه موسى، فنحن أحق بموسى منهم، فنصومه تعظيمًا له؛ كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.

عباد الله:
صوم عاشوراء وإن لم يكن واجبًا باتِّفاق جمهور العلماء، فهو من المستحبات التي ينبغي الحرص عليها، وذلك لما يأتي:
— وقوع هذا اليوم في شهر الله المحرم الذي يسن صيامه.
— ولتحري رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صيامَ هذا اليوم؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "ما رأيت النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتحرَّى صومَ يوم فضَّله على غيره إلاَّ هذا اليوم يوم عاشوراء"؛ أخرجه البخاري.
— ولأن صيامه يكفر السنة الماضية؛ كما ورد في الحديث.
— ولحرص الصحابة - رضوان الله عليهم - على صيام صبيانِهم ذلك اليوم؛ تعويدًا لهم على الفضل؛ فعن الربيع بنت معوذ قالت: "أرسل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: ((من أصبح مفطرًا، فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم))، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللُّعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطَّعام، أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار".
— ولما ورد عن بعض السَّلف من صيام عاشوراء حتى وهُمْ في السَّفر؛ جاء ذلك عن ابن عباس وأبي إسحاق السبيعي والزهري وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم - وكان الزهري يقول: رمضان له عدة من أيَّام أخر، وعاشوراء يفوت، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر.

عباد الله:
إن من فضل الله علينا أنْ وهبنا بصيام يوم واحد تكفيرَ ذنوب سنة كاملة، وهذه الذنوب التي يكفرها صيام يوم عاشوراء هي الذُّنوب الصَّغائر فقط، أما الكبائر فلا تكفرها إلا التوبة وقبولها، كما أشار إلى ذلك العلماء المحقِّقون كابن تيمية وغيره - رحمة الله على الجميع.

واستمعوا - عبادَ الله - إلى الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله - وهو يُحذر ممن يتصور أنَّ صيام عرفة وعاشوراء كافٍ في النَّجاة والمغفرة؛ حيث يقول - رحمه الله -: "لم يدرِ هذا المغتر أنَّ صوم رمضان والصَّلوات الخمس أعظمُ وأجلُّ من صيامِ يوم عرفة وعاشوراء، وهي إنَّما تكفر ما بينها إذا اجتنبت الكبائر، فرمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة لا يَقْوَيان على تكفير الصغائر إلا مع انضمام تركِ الكبائر إليها، فيقوى مجموع الأمرين على تكفير الصَّغائر.

ومن المغرورين مَن يظنُّ أن طاعته أكثر من معاصيه؛ لأنَّه لا يُحاسب نفسه على سيئاته ولا يتفقد ذنوبه، وإذا عمل طاعةً حفظها واعتبرها، كالذي يستغفر الله بلسانه أو يسبح الله في اليوم مائة مرة، ثم يغتاب المسلمين ويُمزِّق أعراضَهم، ويتكلم بما لا يرضاه الله طول نهاره، فهذا أبدًا يتأمل في فضائل التسبيحات والتهليلات، ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة المغتابين والكذَّابين والنمامين إلى غير ذلك من آفات اللسان، وذلك من محض غرور"، انتهى كلامه - رحمه الله.

عباد الله:
وأمَّا مراتب صيام عاشوراء، فقد ثَبَت أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - صام يوم عاشوراء، وثبت عنه أنَّه قال: ((لئن بقيت إلى قابل، لأصومَنَّ التاسع))، والحديثان في صحيح مسلم.

فصام - عليه الصلاة والسَّلام - اليومَ العاشر فعلاً، وهَمَّ بصيام التاسع، والهم هنا يأتي يحاكي الفعل، فهاتان مرتبتان ثابتتان في السنة: صيام التاسع والعاشر، ففي صيام العاشر إدراك للفضل، وفي صيام التاسع معه تحقيق آكد لمخالفة اليهود، وذهب بعضُ العلماء إلى أن مراتب صيام يوم عاشوراء ثلاث مراتب: صيام التاسع والعاشر، أو صيام العاشر والحادي عشر، أو صيام التاسع والعاشر والحادي عشر، وذهب فريق من العلماء إلى زيادة مرتبة رابعة، وهي صيام العاشر وحده.

وهنا أمر يكثُر السؤال عنه، وهو: ما العمل إذا اشتبه أوَّل الشهر؟ فلم يُدْرَ أيُّ يوم هو العاشر أم التاسع؟ فيقال ما ذكره الإمام أحمد - رحمه الله -: "فإنِ اشتبه عليه أول الشهر، صام ثلاثةَ أيام، وإنَّما يفعل ذلك؛ ليتيقن صوم التاسع والعاشر، فمن لم يعرفْ دخولَ هلال محرم، وأراد الاحتياط للعاشر، بنى على ذي الحجة ثلاثين كما هي القاعدة، ثم صام التاسع والعاشر".

بارك الله لي ولكم في الوَحْيَين...



الخطبة الثانية

عبادَ الله:
مما يتعلق بيوم عاشوراء ما أحدثه بعضُ الناس من البدع فيه، فقد سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - عمَّا يفعله بعض الناس بيوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمُصافحة، وطبخ الحبوب وإظهار السُّرور وغير ذلك، فهل في ذلك عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حديث صحيح؟ وإذا لم يردْ في ذلك حديث صحيح، فهل يكون فعل ذلك بدعة؟ وهل لفعل الطائفة الأخرى من المآتم والحزن والعطش وغير ذلك من الندب والنِّياحة وشق الجيوب، هل لذلك أصل أو لا؟

فأجاب - رحمه الله -: لم يرد في شيء من ذلك حديثٌ صحيح عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا عن الصَّحابة، ولا عن التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا.

ثم ذكر - رحمه الله - ملخصًا لما مَرَّ بأول هذه الأمة من الفتن والأحداث، ومقتل الحسين - رضي الله عنه - يوم عاشوراء، وماذا فعلت الطوائف بسبب ذلك، فقال - رحمه الله -: فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إمَّا مُلحدة مُنافقة، وإمَّا ضالة غاوية، تظهر موالاته، وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهليَّة من لطم الخدود، وشقِّ الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهليَّة - يشير إلى فعل الروافض - فكل ما زينه الشيطان لأهل الضَّلال والغي من اتِّخاذ يوم عاشوراء مأتمًا، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلاَّ تجديد للحزن والتعصُّب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسُّل بذلك إلى سب السابقين الأولين، ثم ختم كلامه - رحمه الله - بهذه الكلمة: وشر هؤلاء - يعني الروافض - وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يُحصيه الرجل الفصيح في الكلام.

عبادَ الله:
وأمَّا سائر الأمور مثل: اتِّخاذ طعام خارج عن العادة، أو تجديد لباس وتوسيع نفقة، أو شراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مُختصة - كصلاة مختصة به - أو قصد الذَّبح، أو ادِّخار لحوم الأضاحي؛ ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال، أو الاختضاب، أو الاغتسال، أو التصافح، أو التزاوُر، أو زيارة المساجد والمشاهد ونحو ذلك - فهذا من البدع المنكرة التي لم يسنَّها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبَّها أحد من أئمة المسلمين.

اللَّهم اجعلنا من أهل سنة نبيك محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأحيِنَا على الإسلام وأمتنا، ثم صلوا - رحمكم الله - على النعمة المسداة.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Sharia/0/8909/#ixzz2Ch7hEo2a




خطبة الجمعة { صيام يوم عاشوراء }


الخطبة الأولى
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله تعالى حق التقوى، وأنيبوا إليه واستغفروه، ففي الإنابة والتقوى الخير والفلاح في الدنيا والأخرى. وَمَن يَتَّقِ ?للَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَـاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق:5]، وَأَنِـيبُواْ إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ [الزمر:54].
أيها المؤمنون، ها نحن قد ودعنا عاماً هجرياً كاملاً، قد مضى بما أودعناه فيه، ولا رجعة له إلى يوم الدين، قد طويت أيامه، وأحصيت أعماله من حسن وسيء، وعمل صالح أو خبيث، ولا نزال نطوي الأيام حتى يقف عمر كل واحد منا حيث كتب له من السنين والأيام فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، والعاقل من اتعظ بمرور أيامه وطي سجلاته، واستعد لما أمامه، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل، وَاتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ?لسَّـاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:55-58].
عباد الله، نحن الآن في شهر الله المحرم أول شهور السنة الهجرية، وهذا الشهر الفضيل هو من الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوات والأرض َمِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذالِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ [التوبة:36]، وفي صحيح البخاري: ((السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)). ولهذا فإن هذه الشهور الحرم لها حرمتها، والذنب فيها أعظم من غيرها، كما أن العمل الصالح فيها أعظم أجراً كما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما.
وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام الترغيب في صيام شهر المحرم حيث قال: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)) مسلم.
أما اليوم العاشر منه فقد اختص بفضيلة لم يفُقْه فيها إلا يوم عرفة المبارك، وقد كان النبي يراعي هذا الفضل ويعنى به، فعن ابن عباس قال: (ما رأيت النبي يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان) البخاري. ومعنى يتحرى أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه.
وقد بين لنا النبي فضل صيام يوم عاشوراء فقال: ((صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) رواه مسلم، فيا له من فضل عظيم لا يفوِّته إلا المحروم، ، فالذنوب كثيرة، والتقصير حاصل، والتوبة والاستغفار يغفل عنها الكثير منا.وخاصة من كبائر الذنوب التي لاتزول الا بالاقلاع والتوبة النصوح مثل الزنا والربا وغيرها من الموبقات

عباد الله وقد أمر النبي بصوم يوم التاسع معه استحباباً، مخالفةً لليهود والنصارى، فعن ابن عباس قال: حين صام رسول الله يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال: ((فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)) قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله . مسلم.
ولو صام العاشر والحادي عشر لكفى لوروده في بعض الأحاديث، ولو صام اليوم العاشر وحده لم يكره له ذلك، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

بارك الله لي ولكم في القران العطيم ........

الخطبة الثانية
اما بعد
عباد الله، اعلموا أن يوم عاشوراء لا يميز عن غيره من الأيام بفرح أو حزن، إذ إن هذا من صنيع الضالين والمبتدعين، فقد كان هذا اليوم عند اليهود عيداً، كما أشار إلى ذلك أبو موسى الأشعري في الحديث الصحيح، وهو عند الرافضة يوم مأتم وحزن بحجة أنه اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي رضي الله عنه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك: فصارت طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام. اهـ
فكونوا على علم بذلك أيها المؤمنون، وإن لنا فيما شرع الله لنا الكفاية والخير بحمد الله.
واحرصوا ـ رحمكم الله ـ على صيام يوم عاشوراء محتسبين الأجر من الله تعالى سائلين منه القبول والإعانة.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وارزقنا الإخلاص لوجهك يا كريم.
الجمعة 8/1/1431هـ


خطبة الجمعة :عاشوراء بين الذكرى والبشرى
كتب بواسطة خالد خليف



كلما أقبل شهر المحرم تذكرنا يوم عاشوراء بما فيه من دروس تربي وتزكي الأمم والأفراد، فهيَّا نتذاكر بعض هذه الدروس:
1- هلاك الطواغيت إن هلاك الظالمين نعمة كبرى، ومنة عظمى، قال تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: ٤٥)، فقُرن حمده تعالى بسبب ظاهر- وهو المستحق للحمد فى كل حين- يتمثل فى إهلاكه سبحانه للظالمين وقطعه لدابرهم وفي ذلك من الإنعام على المستضعفين والرحمة بالمؤمنين مالا يخفى. من هنا استحق يوم عاشوراء أن يكون واحداً من أعظم أيام التاريخ، فقد هلك فيه الرمز الأكبر للظلم والطغيان في الأرض على مر العصور، وهو فرعون حاكم مصر في عهد موسى عليه السلام على غير توقع، وبغير تكافؤٍ في موازين القوى – آنذاك – بين أهل الحق وأهل الباطل، لكن الله – جلَّت قدرته – فعال لما يريد، وقد سُمّى يوم العاشر من المحرم باسم عاشوراء تعظيماً له، وهو اسم إسلامىّ خالص لم تعرفه العرب فى الجاهلية، مع أن العاشر من المحرم كانت له حرمة قديمة عندهم ربما ورثوها من ديانة، إبراهيم وقد أمر الله عز وجل نبيه موسى بأن يذكر بني إسرائيل بنعم الله عليهم، وأعظمها إهلاك فرعون، فقال تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(إبراهيم: ٥) قال القرطبى فى تفسيره (9/341):" أى بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم. وقد استشهد الحسن البصرى بالجزء الأخير من هذه الآية في موقف مماثل، وهو هلاك الطاغية الظلوم الحجاج بن يوسف الثقفى، وكان الحسن قد توارى منه سبع سنين، فلما بلغه موته، قال: اللهم قد أمته، فأمت سنته، وسجد لله شكراً، وقرأ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (لقمان-31)، ولعل السبب في تعظيم ذلك اليوم والأمر بصيامه، وتكفير السيئات به، يعود إلى ماله من تأثير على حياة البشر، حينما تظل ذاكرة الأمة المسلمة يقظة ومتوقدة للمواقف الفاصلة بين الحق والباطل، ويدل على ذلك ما نلمسه من توجيه النبى صلى الله عليه وسلم لأهمية استشعار البعد التاريخى فى الأحداث المعاصرة، والشعور بوحدة المعركة، فهلاك فرعون موسى بشرى بهلاك فرعون كل مرحلة من مراحل الصراع، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل اليهود: ما هذا اليوم الذى تصومونه ؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال: فنحن أحق وأولى بموسى منكم".
2- يوم العبرة بهلاك الظالمين:
لم يتعظ فرعون – كشأن كل الطغاة والظالمين – حين رأى آيةً عظيمة من آيات الله أمام عينيه، فها هو البحر ينشق لموسى عليه السلام، وهاهو طريق ممهد يظهر فجأة فوق الماء، فتغافل فرعون عن ذلك كله وسار باطمئنان الجاهل، واستخفاف الغافل يريد اللحاق بهؤلاء الفارين ولكنه وجد نفسه فجأة في وسط الماء، وأدرك مصيره الأسود المحتوم فحاول أن يصنع شيئاً، ولكن الله بعدله العظيم، لم يمكنه من النطق بكلمة التوحيد إلا في الوقت الضائع، حيث لا ينفع أحدًا إيمانُهُ؛ فكان سوء الخاتمة جزاءً وفاقًا لما ارتكبه من جرائم وحشية فى حق الشعب، ومن تطاول على رب العزة حين ادعى وهو الحقير الذليل أنه الإله المعبود، وهكذا تعلمنا تلك النهاية أن جرائم الطغاة لا تذهب سدى في لحظة عابرة، وما أجمل ما حكاه القرآن العظيم عن غرق فرعون حين قال: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِين، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس 9.:92).
إن الله عز وجل لم يكتف بعقوبة الآخرة – ويا لها من عقوبة!- ولكن سبحانه عاقبه فى الدنيا أيضاً بالطرق، وجعله عبرةً فلم يسمح لجثته بالاندثار، بل جعل بدنه يطفو على سطح الماء ويستقر على نجوة من الأرض – كما قال المفسرون – فأخذه المصريون واحتفظوا بجسده كعادتهم بما مكنهم الله من إسرار التحنيط وسلطان العلم، فصار لمن خلفه آية، ليس لجيل أو جيلين، بل لعشرات الأجيال ومئات السنين؛ فسبحان الذي يمهل ولا يهمل!
3- عاشوراء وتميز الأمة حض الرسول صلى الله عليه وسلم على صيام يوم آخر مع عاشوراء مخالفة لأهل الكتاب، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " حين صام النبى صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى تُوفَي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهو ما استقر عليه العمل، وما ينبغي اتباعه. ولذلك فإن الجمع في الصيام بين يومي التاسع والعاشر مستحب، وهو رأي كثير من السلف، وأما تعظيم النصارى ليوم عاشوراء فغير معروف لنا، ولعله كان في زمن السلف رضي الله عنهم فإنهم يشتركون مع اليهود في الإيمان بالتوراة. وأما صيام التاسع مع العاشر بنية مخالفة أهل الكتاب، مع كون الصيام مشروعاً في الشريعتين الإسلامية واليهودية، فيدلنا على وجوب المخالفة بصفة عامة، وفيما ليس مشروعاً بصفة خاصة، وإن كان صيام التاسع مع العاشر له أحكامٌ أخرى.
4- عاشوراء في كربلاء مما عكر صفو هذا اليوم ما أدمى قلوب المسلمين ولا زال الجرح نازغا مما ساهم في إشعال الخلاف بين السنة والشيعة كلما عادت الذكرى، ويصر الشيعة على اجترار التاريخ بالطريقة التي يحبونها فإلى متى ستظل الأمة تدفع ضريبة قتل الحسين ؟! وما ذنب الأجيال التي لم تشهد الأحداث ولم ترض بها وكيف تحاسب على أخطاء قديمة تعيق وحدتهم في الظروف الراهنة في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى الوحدة ؟
نسيت النصرانية خلافها مع اليهود وبرءوهم من دم المسيح ليكونوا يدا واحدة على الإسلام وأهله، فلمصلحة من يظل دم الحسين حاجزا بين وحدة المسلمين ليوم الناس هذا؟ فهل يرضى الحسين بما يفعله المدعون لحبه من قتل وتشريد لأهل السنة في إيران والعراق وسوريا أخيرا وليست آخرا؟ وما الذنب الذي ارتكبه هؤلاء المساكين في حق الحسين وأهل البيت حتى يفعل بهم ما تشيب لهوله الولدان؟
مجمل الحدث: توافرت رسائل أهل العراق للحسين رضي الله عنه تطالبه بأن يخرج إليهم وأنهم قد أعدوا الجموع لنصرته على يزيد بن معاوية وذكروا أنهم سبعون ألفا يمكنهم أن يحسموا الموقف لصالحه، كما ذكروا مخالفات ليزيد بن معاوية أغلبها مكذوب عليه وضخموها بما يجعل الخروج عليه واجبا شرعيا، فقرر الحسين الخروج على يزيد استنادا إلى ما وصل إليه من مخالفات يرتكبها يزيد تجعل الخروج عليه جائزا ولغلبة ظنه بأن قوة شيعة أبيه علي رضي الله عنه في العراق كفيلة بحسم الموقف كما أخبروه هم بذلك.
موقف الصحابة من خروج الحسين: رفض الصحابة خروج الحسين ونصحوه بعدم الاستجابة لشيعة العراق الذين خذلوا أباه وحاولوا اغتيال أخيه عدة مرات، كما أن الصحابة لم يصدقوا كل ما يقال عن يزيد بل قاتل بعضهم تحت إمرته في غزو البحر وحصار القسطنطينية الأول وأنكر محمد بن الحنفية أخو الحسين لأبيه ما يقال عن يزيد وحاول ابن عباس منع الحسين فلم يفلح. بل ونصحه الفرزدق الشاعر في الطريق قائلا: الناس (يعني الشيعة) قلوبهم معك وسيوفهم عليك. والملاحظ أنهم لم يختلفوا على جواز الخروج على الحاكم الفاجر( كما يروج بعض الشيوخ) لكنهم:
أولا: وجدوا أن كثيرا مما يقال عن يزيد مكذوب وأما ما ورد من اتهامات فالنصيحة كفيلة بتقويمه فيها وليس القتال.
وثانيا: الصحابة يعلمون جيدا أن الخروج المسلح لا يجوز إلا إذا كان الحاكم مستوجبا للخروج بالكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان ولا يزاح إلا بالقوة بشرط أن يغلب على الظن رجحان الكفة لصالح الخارجين فينحسم الموقف بأقل خسائر. وأثبتت الأحداث أن قوة شيعة العراق كانت وهمية وهم كذبوا عليه ووعدوه بالنصرة ثم تخلوا عنه وخذلوه.
وبالجملة: اجتهد الحسين وكان خروجه حسب ما توافر لديه من أسباب مشروعا. ولكن أهل العراق( شيعة أبيه) خذلوه وتركوه وحده يواجه جيشا كبيرا وانتهى الأمر باستشهاده وكان ذلك في يوم عاشوراء سنة 61ه، فيا أسفا على المصائب مرة ويا أسفا على قتل الحسين ألف مرة.
الشيعة ومقتل الحسين:
استغل الشيعة هذا الحدث في التشنيع على أهل السنة ونسجوا روايات تشيب لهولها الولدان، والراجح أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين بل أمر بمنعه فقط ولكن بعض القواد أساء وظلم وتولى كبرها ولطخ يديه بهذا العمل الشنيع، وقد أكرم يزيد نسوة أهل البيت على ما هو مفصل في المصادر الصحيحة.. ولكن الشيعة الذين كتبوا للحسين ليخرج إليهم هم الذين خذلوه وورطوه في الخروج فعلام يبكي الشيعة الآن؟! البعض قديما أسلم عيسى لأعدائه من اليهود ثم راح يبكي على صلبه وهؤلاء الشيعة خذلوا الحسين وجعلوا يتباكون على قتله ويتخذون من يوم عاشوراء مأتما متجددا يضربون صدورهم بالسلاسل والجنازير في مشهد مقزز لا ينبغي أن يحسب على الإسلام أبدا، إنهم تاجروا بالحدث للتشنيع على أهل السنة واستمالة قلوب الناس لقضية الحسين ليبشروا بالفكر الشيعي في بلاد المسلمين فهم كذبوا عليه ليخرجوه أولا ثم خذلوه ثانيا وتاجروا بقضيته ثالثا. ( للمزيد راجع العواصم من القواصم للقاضي أبي بكر بن العربي بتحقيق محب الدين الخطيب )
5- مسائل مهمة تتعلق بعاشوراء:
الأولى: في فضل صيامه حيث بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم فضل صيام هذا اليوم بقوله:) وصيام يوم عاشوراء إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله( (رواه مسلم) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (مارأيت النبى صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على الأيام إلا هذا اليوم يوم عاشوراء) (متفق عليه).
الثانية: صيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة ماضية والمقصود هنا الصغائر، بشرط اجتناب الكبائر، فإن الصلاة وصيام رمضان أعظم من صيام عاشوراء، ومع هذا قال صلى الله عليه وسلم:(الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) (مسلم والترمذى) فإياك والاغترار، فإن إنكار الذنوب ذنوبُ.
الثالثة: لا يكره إفراد عاشوراء بصيام، كذا قال ابن تيمية فى المجلد الخامس من الفتاوى وابن حجر الهيثمى فى تحفة المحتاج، وإن كان الأكمل صيام التاسع معه.
الرابعة: وكل ما روى فى فضل الاكتحال فى يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه فموضوع لا يصح، ولعله من وضع الفئة الباغية الذين قتلوا الإمام الحسين رضي الله عنه فى مثل هذا اليوم، ومن ذلك حديث: " من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام"، وحديث: " من اغتسل يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة" وغير ذلك (انظر: لطائف المعارف لابن رجب ص75، ومجموع فتاوى ابن تيمية 25/299، والموضوعات لابن الجوزى 2/199 ).
الخامسة: ما يفعله الشيعة من العويل والصراخ والضرب بالسكاكين والجنازير وخلافه في يوم عاشوراء إظهارا للحزن على الحسين لا يجوز، وليس من الإسلام في شيء، وقد قتل من هم أفضل من الحسين كحمزة وجعفر وعمر وعثمان وعلي أبوه وغيرهم، ولم يَرِدْ أن أحدا من السلف أو الخلف جدد المآتم عليهم بهذه الطريقة، ولكن هذه المراسم لها وجهة سياسية لا علاقة لها بالشريعة والمقصود منها دغدغة مشاعر العامة والتبشير بالفكر الشيعي.
هذا بالإضافة إلى ما في هذه الطقوس من تشويه صورة الإسلام في الخارج وإظهار المسلمين في صورة القاصر الذي يحتاج إلى وصاية، ولما طلب من انجلترا إنهاء الانتداب عن البلاد الإسلامية رفضت انجلترا بحجة أن هذه البلاد قاصرة تحتاج إلى من يدير شئونها وقدموا صورا لمراسم عاشوراء عند الشيعة حيث الدماء والبكاء مما جعل الأمم المتحدة تقر انجلترا على هذا الاحتلال.

كتبه الشيخ: خالد خليف



خطبة جمعة دروس من الهجرة وفضل يوم عاشوراء
________________________________________

دروس من الهجرة وفضل يوم عاشوراء
---------------------

الحمد لله الذي قدر الأقدار ، وخلق الليل والنهار ، تذكرة وعبرة لأولي القلوب والأبصار ، وجعل أنبياءه من البشر الصفوة الأخيار ، وعصمهم من الوقوع في الزلات والمعاصي والأوزار .
أحمده سبحانه على فضله العظيم ، وإحسانه الكريم ، واشكره وهو أهل للشكر والثناء والتكريم ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون .
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، دعا إلى الله على بصيرة ، وتحمل في سبيل ذلك الأذى وألوان المكر والخداع ، حتى ترك أرضه وأهله ، وهاجر بدينه بأمر الله تعالى ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين .
أما بعد : عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل فإنها سعادة للمرء في الدنيا ومنجية له في الآخرة
حيث يقول تعالى {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (29) سورة الأنفال
عباد الله ؛ أيها المسلمون : قد استقبلتم في هذه الأيام عاما هجريا جديدا وطويتم صحائف عام آخر على ما فيها من الصالحات والسيئات ، والله سبحانه وتعالى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا .وعباد الرحمن الأصفياء الأتقياء هم الذين يستفيدون من كل لحظة من لحظات أعمارهم ، فعامهم المنصرم تولى وهو شاهد لهم بما عمروه من الطاعات ، وكسب الحسنات ، واستقبلوا عامهم الجديد وهم على أمل أن يجعله الله لهم عام خير وبركات ، فهيئوا أنفسهم وروضوها من أجل التعامل مع هذه الأيام والساعات ، وملئها بالأعمال الصالحات ، فيا طوبى لمن عرف قيمة الليالي والأيام ، ويا فوز من أبعد نفسه عن الأوزار والآثام ، ويا سعادة من عاش في كنف الملك العلام.
عباد الله : إنه عام هجري جديد يذكرنا بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا .
أخرجه قومه من أرضه ومن بين بنيه وأهله { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد }
خرج صلى الله عليه وسلم مهاجرا بدينه ، داعيا إلى الله ، بعد أن ضاقت به السبل ، وتكالبت عليه قوى الشر والعدوان من بعيد وقريب ، وأرادوا قتله ، { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين }.
لقد أعدوا خطة لقتله صلى الله عليه وسلم ، فاختاروا من كل فخذ من قريش شابا قويا ، وجمعوهم أمام باب الدار الذي هو نائم فيه ، وأمروهم بأن يضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل ، فلا يستطيع أحد مطالبة بدمه ، ولكن الله تعالى أصمهم وأعمى أبصارهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم وهو يقرأ { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون }
وحثا على رؤوسهم التراب ، وانطلق مهاجرا في سبيل الله وبأمر من الله تعالى .
وعندما بلغ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وصاحبه إلى الغار ، دخل أبو بكر ، رضي الله عنه ، قبل دخول رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك خوفا من وجود ما يمكن أن يضر رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم . أما المشركون فقد جن جنونهم وانطلق أعداء الله يجوبون القفار يتبعون آثار أقدام رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وصاحبه حيث وصلوا إلى الغار وأحس أبو بكر ، رضي الله عنه ، الذي كان يراهم ويسمع حوارهم ، بالخوف ، لا بالخوف منهم ولكن بالخوف على رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذت عيونه تذرف الدموع ، فسأله رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، عن سبب بكائه ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أبا بكر فما ظنك باثنين الله ثالثهما "
وفي هذا نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40) سورة التوبة
مكث رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، مع صاحبه ، في الغار ثلاثة أيام ، كان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما خلالهما ويحدثهما عن أخبار مكة ، وكان عامر بن فهيرة يمشي بغنمه خلفه ليمحو آثار أقدامه ، حتى إذا مضت الأيام الثلاثة ، وسكن عنهما الناس ، أتاهما عبد الله بن أريقط ببعيريهما ، وبعير له ، فقام أبو بكر رضي الله عنه ، وقدم أفضل البعيرين إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم قال : اركب ، فداك أبي وأمي . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : " إني لا أركب بعيرا ليس لي " فقال أبو بكر رضي الله عنه : هو لك يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي . فركب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، راحلته ثم نظر خلفه إلى مكة وقال: إنك لأحب البلاد إلى الله ولو أن قومك أخرجوني منك ما خرجت " وأنطلقا ، يتبعهما عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق
وما هي إلا أيام حتى وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة دار الهجرة ، فطابت له فيها الإقامة ، وخيمت على ربوعها السلامة ، حيث رحب به أهلها ، وآزروه ونصروه ، واتبعوا النور الذي جاء به ، وأنشد صغارهم وكبارهم :
طلع البـدر عليـــــنا = من ثـنيـات الوداع
وجب الشـكر علينا = مـا دعــا لله داع
ولحق به أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وقد تركوا أموالهم وأهليهم في مكة ، و بتلك الهجرة انتقل الإسلام من حال إلى حال، كان بمكة النبي [مستضعفاً] خائفاً، وفي المدينة عزيزاً كريماً معظماً، انتقل إلى المدينة، لما أصبحت دار إسلام فصارت معقلاً لأهل الإسلام، وبقي فيها عشر سنوات، أكمل الله فيها الدين، وأتم به النعمة، وفرض عليه الفرائض، وأوجب عليه الواجبات تلك الهجرة التي انتقل فيها النبي وأصحابه من بلادهم وأموالهم وأهليهم طاعة لله، حيث يقول تعالى لِلْفُقَرَاء الْمُهَـٰجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰناً وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ [الحشر:8] وآخى النبي بين المهاجرين والأنصار، تلك الأخوة الصادقة المبنية على المحبة لله ورسوله، هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:62، 63]
. ألف بينهم بالإسلام، فصاروا بالإسلام إخواناً متحابين متناصرين في ذات الله، مجاهدين في الله حق جهاده، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيراً. ولما قويت شوكة المسلمين ، بدؤوا يردون على أعدائهم ، ويتربصون بهم ، وتتابعت المعارك تلو المعارك ، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ،والله سبحانه وتعالى ينزل على رسوله قوله تعالى{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ، ويوم يقوم الأشهاد ، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ، ولههم اللعنة ولهم سوء الدار }. واستمات المسلمون في دار الهجرة دفاعا عن هذا الدين العظيم ، الذي أعزهم الله به ، وحفاظا على هذا الشرف الكبير الذي حباهم الله به حيث سماهم الأنصار ، وهم الذين نصروا نبيه ، وجاهدوا معه، وفدوه بأنفسهم وأموالهم حيث قال الله فيهم { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، واعد لهم جنات تجري تحتها النهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } التوبة 100 وقال تعالى { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم } التوبة 117 ولما علا أمر الله ، واندحر الكفر وأهله ، عاد رسول الله ومعه المهاجرون والأنصار إلى مكة المكرمة رؤوسهم مرفوعة ، وأعلامهم خفاقة ، فدخلوها وأهلها أهل الكبر والعناد والغطرسة في ذلة خاسئون ، لم تقم لهم قائمة ، وقد نصر الله عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، وفتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا واستقرت الأمور بحمد الله ودخل النبي صلى الله عليه الكعبة وفيها ثلاثمائة وستون صنما فكسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } . ولما استقرت الأمور وأصبحت مكة المكرمة من المدن الإسلامية التي ظهر فيها أمر الله وأهلها كارهون ، عاد رسول الله إلى طيبة الطيبة إلى المدينة المنورة دار هجرته صلى الله عليه وسلم ،عرفانا منه بجميل الأنصار الذين آووه ساعة العسرة ، ونصروه خير النصرة ، وآزروه ووقفوا معه أسرة أسرة ، وضحوا بما يملكون من أجل إعلاء هذا الدين فأعز الله جنده وأظهر أمره .
عباد الله : إن من الفوائد والدروس والعبر من سياق الهجرة في كتاب الله جل وعلا ، أن ذلك النصر والتمكين الذي كتبه الله لأوليائه ووعدهم به له شروط لابد من توفرها منها الصبر والتقوى واليقين فلابد أن يتحلى أولياء الله وحزبه بالصبر وأن يتحلوا بالتقوى واليقين وقد اجتمعت هذه كلها على أكمل الوجوه في شخصية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . فنصره على أعداء الله وأولياء الشيطان ، قال جل وعلا في سورة آل عمران: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً وقال قبلها في سورة البقرة: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا وقال سبحانه: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فلما تحلوا بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين, كما سئل سفيان بن عيينة رضي الله عنه: بما تنال الإمامة في الدين؟ فقال بالصبر واليقين. وقال جل شأنه: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين .
ومنها إخلاص العبادة لله جل شأنه وحده وعدم إرادة غيره بشيء منها , قال جل شأنه وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً فمن كفر بعد ذلك فأولئك هم الكافرون .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، إنه تعالى جواد كريم ملك بر رؤوف رحيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، واشهد ان محمدا عبده ورسوله.حث على المبادرة بالأعمال قبل حلول الآجال، واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات، وكان أول المبادرين إلى الطاعات، والسابقين إلى الخيرات ، صلى الله عليه وعلىآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد : فيا أيها المسلمون أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن فإن من عاش على تقوى الله والخوف منه في هذه الدنيا أمنه الله في يوم الخوف يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم عباد الله : اتقوا الله ، واعلموا أن الفرص تفوت ، وأن أجل الإنسان موقوت ، وإقامته في هذه الدنيا محدودة ، وأيامه فيها معدودة ، وأن الآخرة هي دار القرار ، والمصير فيها إلى الجنة أو النار،
ثم اعلموا يا عباد الله أن المسلم يتحين الفرص التي تحتوي على الخيرات والفضائل ، ووقت المسلم يتنقل فيه من طاعة إلى طاعة ومن عبادة إلى عبادة ، فقبل أيام ودعنا رمضان ، ثم أتبعه ستا من شوال من صامها مع رمضان فكأنما صام السنة كاملة ، ثم أتبعها بعشر ذي الحجة التي فيها يوم عرفة صيامه لغير الحاج يكفر الله به ذنوب سنتين سنة سابقة وسنة لاحقة .وفيها الحج إلى بيت الله الحرام الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ( من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من حجه كيوم ولدته أمه ) وسوف يحل علينا بعد أيام قليلة إن شاء الله يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم وهو يوم مبارك نجى الله فيه موسى من الطاغية فرعون وجنوده ، وأعز الله دينه ونصر جنده ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ورأى اليهود يصومونه قال ما هذا الصوم ، قالوا يا رسول الله هذا يوم مبارك نجى الله فيه موسى من فرعون فهم يصومونه شكرا لله على هذا الفضل العظيم ، فقال صلى الله عليه وسلم أنا أولى بموسى منهم فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وقال لئن بقيت إلى العام المقبل لأصومن التاسع مع العاشر ، وفي رواية خالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يستدير العام .
فصوموا أيها المسلمون اليوم العاشر وصوموا معه التاسع اتباعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لإن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر، أو صوموا معه الحادي عشر لحديث صوموا يوما قبله أو يوما بعده مخالفة لليهود ، إذ أن صيام يوم عاشوراء يكفر الله به ذنوب سنة
واعلموا أن صيامه على ثلاث مراتب :
الأولى صيام عاشوراء ويوم قبله ويوم بعده ،أي التاسع والعاشر والحادي عشر وهي أكمل المراتب . والثانية صوم اليوم العاشر ويوم واحد معه إما التاسع وإما الحدي عشر .
والثالثة : صوم عاشوراء وحده ، وأي عمل عمله المسلم فهو صحيح إن شاء الله وله أجره بفضل الله .
ثم اعلموا رحمكم الله تعالى أن ربكم المولى جل وعلا قد أمركم بالصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى فقال جل من قائل { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما }
وقد قال صلى الله عليه وسلم (من صل علي صلاة واحدة صل الله عليه بها عشرا) اللهم صل وسلم وبارك على خير خلقك وخاتم رسلك سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين وتابعيهم وتابع تابيعهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الرحمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واجعل هذا البلد آمنا رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين .
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يارب العالمين .
اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل اللهم ولا يتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم وفق إمامنا وقائدنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى وخذ بناصيته وناصية ولي عهده والنائب الثاني إلى البر والتقوى ، اللهم أرهم الحق حقا وارزقهم اتباعه وأرهم الباطل باطلا وارزقهم اجتنابه يار ب العالمين
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ، اللهم نور على أهل القبور من المؤمنين قبورهم ، اللهم واغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم ، اللهم تب على التائبين واغفر ذنوب المذنبين ، واقض الدين عن المدينين ، واشف مرضى المسلمين ، واكتب الصحة والعافية والسلامة والتوفيق والهداية لنا ولكافة المسلمين في برك وبحرك أجمعين.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، ربا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عباد الله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ، إن الله يعلم ما تصنعون ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
أبو حذيفة
هادي بن محسن مدخلي
إمام وخطيب جامع الشيخ حافظ الحكمي
بصامطة







رد مع اقتباس
 
إضافة رد

 
مواقع النشر (المفضلة)
 

 
الكلمات الدلالية (Tags)
مجموعة, الخطب, عاشوراء
 

 
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الخطب المكتوبة للشيخ القرعاوي المربي منتدى الخطب والدروس الدينية 0 04-02- 2019 01:20 PM
مجموعة قصص فلاشية الصالحي منتدى القصص والكتب الدينية 0 11-09- 2011 11:19 AM
مجموعة من كتب التجويد GHσšтHυитeя منتدى القصص والكتب الدينية 1 01-03- 2010 10:58 PM
مجموعة من التواقيع الرمضانية المربي خاص بشهر رمضان المبارك 0 17-08- 2008 03:08 PM
قوانين منتدى الخطب الدينية ikram_star منتدى الخطب والدروس الدينية 1 11-07- 2008 10:54 PM
 

 
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

 
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

 
 
 

Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
][ جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ... ولا تعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر المنتدى ][
  تصميم علاء الفاتك   http://www.moonsat.net/vb  
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14